TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: من أين جاء هذا الجمال؟

باليت المدى: من أين جاء هذا الجمال؟

نشر في: 10 مارس, 2025: 12:04 ص

 ستار كاووش

لا أعرف كيف أصف الشعور الذي إنتابني وأنا أنظر الى شوارع مدينتي وأرصفتها المبتلة بالمطر الذي سقطَ هادئاً، فقد شعرتُ بلذةٍ غريبة تشبه لذة العطس أو الضحك أو حتى تقترب من طعم قبلة سريعة. فقد إلتمعتْ الشوارع مثل مرآة تعكس أشكال السيارات والبيوت والمارة، حتى تخيلتُ نفسي وسط مشهد سينمائي على غرار المشاهد التي كان يصورها المخرج كوبولا في أفلامه، والتي يتعمد فيها الى رش الشوارع والأرصفة بالماء. نعم، هذا ما فعلته بضع زخات خفيفة من المطر، مرَّت في سماء مدينتنا وغيرتْ كل شيء، وكأنها جاءت لتغسل وجه المدينة في هذا الصباح المضيء وتَضَع أمامي هذا المنظر الذي باغتني وأنا أخرج من المرسم لشراء بعض الإحتياجات. هكذا شغلتني هذه الشوارع النظيفة التي بدتْ واسعة وهي تستقبلني ملتمعة تحت مرآة السماء، حتى تساءلتُ مع نفسي: من أين جاء هذا الجمال، وكيف توفرَ كل هذا الصفاء؟ وكي يكتمل المشهد، فلا أثر لحفرة صغيرة ولا غبار أو حتى إنكسار بالبلاطات المصفوفة بعناية فائقة. حقاً لو أراد الانسان أن يعمل بجد وأمانة وإخلاص فستكون النتائج باهرة وجميلة. تبضعتُ الأشياء التي أحتاجها، ومع وقع خطواتي في طريق العودة تأملتُ من جديد الشارع المحاذي للمرسم، والذي مازال يستحم تحت الزخات الناعمة، وفكرتُ بأصل الشارع ذاته وبفكرة الطريق. مَنْ الذي إبتكرَ الشارع؟ ومن الذي إبتدأ برصف أول طريق ليُسهل علينا التواصل؟ من الذي جعل الشارع مرادفاً للمدينة وحياة الانسان وجعل الأماكن المتباعدة ترتبط ببعضها من خلال هذا الخط الذي نسميه شارعاً؟ ومن الذي وطأت قدماه أول طريق؟ وهل هناك شارعاً في التاريخ أقدم من شارع الموكب في بابل؟ ومن الذي أطلق تسمية طريق الحرير ومتى؟ ثُمَّ كيفَ عرفَ الانسان الأول طريقه وهو يمد خطواته الأولى خارجاً من أفريقيا لينتشر في أنحاء المعمورة؟ وفوق كل هذا لم تشغل الطرق الأرض التي نعيش عليها فقط، بل تجاوز ذلك نحو السماء، حيث درب التبانة الذي يُطلق على مجرتنا وكل ما تحتوية من شمس وكواكب ونجوم. نعود الى أرضنا التي نعيش عليها، والتي تحولتْ بعد كل هذه السنين الى ملايين الشوارع المتداخلة التي شكلت ركيزة حياتنا، وصارتْ المدن تتباهى بشوارعها الأنيقة التي تختار لها أسماءً من التاريخ المليء بالجمال والمعاني والرموز، حتى بتنا نتجول في الشارع كمفردة من المفردات الملاصقة لحياتنا وصرنا نعرف الأماكن بشوارعها، حيث مازال العالم يمضي حثيثاً في بناء الطرقات ومنحها أسماء ناسه المميزين، وهذا ما تقوله يافطات الشوارع القريبة مني على أقل تقدير، والتي حملتْ أسماء مثل ريمبرانت وفان خوخ وموندريان… وغيرهم.
ومثلما تعددتْ أسماء الشوارع، فقد تعددتْ أيضاً معانيها وأغراضها في هولندا، فالشارع بمعناه التقليدي يكون غالباً محاطاً بالبنايات أو البيوت. وأن كان يربط بين نقطتين أو مكانين محددين فتطلق عليه تسمية طريق. وأن كان بمحاذاته من الجانبين صفين من الأشجار عندها يُسمى جادة، أما حين يكون الشارع عريضاً ومحاطاً بالأشجار والنباتات وذو مسارين بينهما شريط أخضر، وتوجد فيه أراءك للجلوس والاستراحة عندها يُسمى بوليفار، وفي بعض الأماكن يكون هذا البوليفار محاذياً للنهر، والذي يقابله لدينا الكورنيش.
وفي هولندا مثلاً هناك كل شارع يتكون من ثلاث صفوف متوازية ومتلاصقة، وهي الشارع الرئيسي الذي تستعمله السيارات، وبمحاذاته مباشرة شارع مرور الدراجات الهوائية ويكون غالباً بلون أحمر وبعرض مترين، ويلاصقهما تماماً رصيف آخر للمشاة والذي يشابه بالاتساع شارع الدراجات. وهكذا يعرف كل شخص طريقه، وكل راكب أو متجول يمضي في الطريق المخصص له بلا زحام يُكدر يومه، ودون توقفات تعطل حياته، وفوق هذا هناك بعض القوانين التي تحتوي على غرامات تتوخى منها الأمان، فمن يستعمل منبه السيارة دون الحاجة الى ذلك يحصل على غرامة قدرها ثلاثمائة وسبعين يورو، ومن يستعمل التلفون أثناء قيادة الدراجة الهوائية تكون غرامته مائة وستين يورو، وبذلك لا أمل تقريباً لحصول الحوادث، إلا ما ندر. تبقى الشوارع والطرق مختلفة بإختلاف المكان، فمثلما هناك الخطوط السريعة في المدن الواسعة، فهناك أيضاً الجادات الصغيرة غير النظامية في القرى الصغيرة، كما في الطرق التي يسمونها في هولندا (مسارات الفِيَلَة) وهي طرق غير قانونية -تُستعمل بديلاً للطرق الرسمية المعبدة- يسلكها الناس لإختصار الوصول من نقطة الى أخرى في الحقول، الحدائق، المتنزهات وحتى الغابات، وتولدتْ بسبب تكرار خطوات الناس في ذات المكان، حيث يتآكل العشب ويختفي من هذه المسارات ويظهر لون التربة. وقد أُطلقتْ عليها هذه التسمية، لأن الفيَلَة تختار غالباً أقصر الطرق حتى لو واجهتها بعض العقبات! كانت الإمبراطورية الرومانية قبل ألف سنة تقريباً سيدة العالم، حيث كان لديها تسعة وعشرين طريقاً عظيماً تربط مائة وثلاثة عشر مقاطعة ببعضها، وكلها تؤدي في النهاية الى روما المركزية، لذا قال الشاعر والعالم الفرنسي أليان دي ليل سنة ١١٥٧ (كل الطرق تؤدي الى روما).
لكن رغم إختلاف الطرق وتنوع أشكالها وأغراضها وما تؤدي اليه، أقول بأن لا طريق أجمل من الطريق الذي تختاره لنفسك والذي تشعر فيه بالطمأنينة والسعادة وراحة البال.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram