TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > القانون بين ثنائية المؤمنين والمواطنين

القانون بين ثنائية المؤمنين والمواطنين

نشر في: 17 مارس, 2025: 12:01 ص

د.اسامة شهاب حمد الجعفري

القانون يحكم الظواهر الاجتماعية بمختلف انواعها, ومن بين تلك الظواهر ذات التأثير الفعَّال على العمود الاساسي للمبنى الاجتماعي وجود افراد متمايزين عن بعضهما هما: المؤمنون والمواطنون. واشكالية "المؤمنون" و "المواطنون" احد اهم التحديات التي تواجه القانون في محاولته لخلق علاقة تكاملية فيما بينهما بدل من العلاقة التصارعية التي قد تهدد وحدة الدولة الوطنية والسلم المجتمعي, نتيجة تعدد الولاءات فيها, فالمؤمنون يمحضون الولاء لما يعتقدون به, والمواطنون ولاءهم للدولة فوق اي ولاء.
فما موقف القانون العراقي امام هذه الثنائية كظاهرة اجتماعية؟ هل عزز القانون موقف المؤمنين ام رجح جانب المواطنين؟ ام شكّل القانون موقفاً صحياً متوازناً يتأمن بها سلامة الدين وسلامة الدولة ينسدل به ستار الصراع بينهما؟
اولاً: مفهوم المؤمن والمواطن
المواطن Citezen هو الفرد الذي ينتمي الى كيان سياسي اسمه "الدولة الوطنية" ويتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات محددة مسبقاً في اطار العقد الاجتماعي, والذي تنازل عن حريته مقابل الحماية القضائية والمشاركة في صنع القرار السياسي. ويُعامل هذا الفرد مع بقية افراد الشعب وفق مبدأ المساواة القانونية بغض النظر عن انتمائهم الديني والثقافي والقومي.
والمبدأ الموجه له هو "المصلحة العامة" غير الثابتة التي لا علاقة لها بالعقائد الثابتة ويكون ولائه للدولة على اساس العلاقة المادية الاجتماعية – السياسية كسلطة وضعية مصدرها توافق الجماعة الوطنية على تكوين دولة تحمي حقوقهم وحرياتهم.
المؤمن Believer هو الفرد الذي ينتمي الى دين او الى نظام عقائدي معين, ويخضع لالتزامات واخلاقيات ذلك الدين, ويمارس شعائره وطقوسه التي تشكل هويته الدينية, ويشعر بالولاء لعقيدته والانتماء الديني لجماعة محددة تتجاوز الحدود الوطنية لدولته, يواجه صراعاً بين قوانين الدولة والتزاماته الدينية.فالموجه له ليس "المصالح العامة" وانما "العقائد" ويتحرك في دائرة المباديء واليقينيات, ومرتبط بالمؤمنين الاخرين بعلاقة روحية وليست مادية. فالمؤمنون ليسوا من دين واحد, وانما من اديان متعددة, وفي داخل الدين الواحد مذاهب مختلفة, وفي داخل المذهب الواحد تيارات واتجهات متباينة.
ثانياً: طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤمنين في القانون
ان الجذور التي تحرك كل من المؤمنين والمواطنين مختلفة تماماً. فالجامع للمؤمنين هو المعتقد. بينما جامع المواطنين هو المصالح العامة لا العقائد. وطبيعة العلاقة بين المؤمن والمواطن يقيمها النظام القانوني, والعلاقة بينهما ليست علاقة تبعية او الحاقية, فالقانون لا يجعل من المؤمن تابعاً للمواطن ولا المواطن تبعاً للمؤمن, وانما العلاقة القانونية بينهما يحكمها مبدأ المساواة امام القانون, فايمان الفرد ليست ميزة تجعله بمركز قانوني متميز عن المواطن, ولا العكس صحيح.
وهذه المساواة القانونية ليست مساواة شكلية صارمة لا تحترم الخصوصية وانما تتميز بكونها مساواة مرنة تحفظ للهويات الدينية والوطنية تعددها, بمعنى ان القانون يحترم التعددية الدينية والثقافية على اساس من المساواة والعدالة فيكون القانون هنا ليس ادارة تنظيم الاجتماعي وانما يكون جسر بين الهويتين يعكس قدرته الاجتماعية على اقامة التعايش في ظل تنوع وتعدد الهويات. ووسيلة القانون بذلك هي اقامة مجالين متمايزين لكل منهما يمارس خصوصيته فيه, الا ان العلاقة بين المؤمن والمواطن ليست دائماً متوازنة فعلياً وتوافقية, فقد تصيبها نوع من التصادم بينهما, وان تجنب هذا التصادم يحتاج الى توازناً دقيقاً بين احترام الحريات الدينية والحفاظ على النظام العام والوحدة الوطنية. هذه الإدارة تعتمد على آليات قانونية وسياسية تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة دون إهمال الخصوصيات الدينية. وفيما يلي اسس منع هذا التصادم وادارة التوازن بين الحرية الدينية والوحدة الوطينة في النظام القانوني العراقي:
1. تعدد الولاءات
يكون القانون امام ظاهرة تعدد الولاءات: ولاء للمعتقد وولاء للدولة, فيتشكل مجالين متمايزين: مجال الايمان ومجال المواطنة. والقانون اعترف بولاء المؤمنين لغير الدولة, ولكن اعترافه هذا ليس اعترافاً مطلقاً وانما بحدود مجال الفرد الخاص عندما لا يشكل ولاء المؤمنين خطراً داهم على الدولة. فطالما كان ولاء المؤمن في حدوده القانونية التي تمثل "المجال الخاص", وحين يتقرر هذا التمايز يتقرر اعتراف القانون بهذا الولاء النسبي لغير الدولة. وفي ذلك تطبيق قضائي للمحكمة العليا في الولايات المتحدة الامريكية في معرض الموازنة بين الروح الايمانية والروح الوطنية, في قضية امتنع ابناء مجموعة دينية من اداء تحية العلم مستندين الى عقيدتهم, فطردتهم ادارة المدرسة بدعوى مخالفة النظام العام, فشكو الامر الى القضاء, وقارنت المحكمة العليا عام 1943 بين مصلحة الفرد في ان يؤمن بما يشاء, ومصلحة الدولة في تذكية الروح الوطنية, فحظرت اكراه المؤمنين على اتباع سلوك معين الا في حالة الخطر الداهم, وانتهت الى ان تحية العلم ليست ضرورية لتحقيق الوحدة الوطنية (ولاية فرجينيا, مجموعة احكام العليا للولايات المتحدة, عدد 319,ص624).
ويتجسد الخطر الداهم على الدولة باعمال الاضرار بمصالح العامة للدولة واضعاف الثقة بها داخلياً وخارجياً و حتى اهانة رمز الدولة وشعارها الوطني فان إتيان ذلك الفعل يوجب المسؤولية الجنائية بموجب المواد (180 – 181 – 197 – 227 – 282 – 304 - 202) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل. فان السماح للمؤمنين بعدم الولاء النسبي للدولة لا يبرر لهم القيام باعمال تهدد مصالح الدولة الوطنية التي تمثل مصالح عموم الشعب.لان ولاء للدين على حساب ولاء المواطنين للوطن والدولة هو نيلاً من حقوق جماعة اعتقادية ذات ولاءات دينية مختلفة, ولان الدولة الحديثة دولة لمواطنيها جميعاً.
2. التعددية الدينية
المؤمنون ليسوا من دين واحد ولا من مذهب واحد ولا من اتجاه واحد, فانه ينتج عن الاعتراف بالتعددية الدينية احتكاك ما بين المؤمنين انفسهم من اتباع الاديان المختلفة, ويجد القانون نفسه ملزم لفرض سلطانه لا بفرض دين معين او مذهب او اتجاه معينين على الناس والانحياز لاحدِ منهم, وانما يتدخل لحماية "ايمان المؤمنين في مجالهم الخاص" ويكفل لكل دين ومذهب حماية مجالهم الديني يمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية ويضرب على يد كل من يعتدي عليهم او على معتقدهم او على رموزهم الدينية او يسعى الى اهانتهم او اهانة معتقدهم او رموزه, سواء وقع الاعتداء من فرد مؤمن يختلف معهم بالدين او المذهب او الاتجاه الديني او من مواطن لا يؤمن بما يؤمنون, وهذا المبدأ جاء في المادة (372) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل. وهذه الحماية القانونية الصارمة للمجال الخاص للمؤمنين لا يعطيهم المبرر للرد على المواطنين غير المؤمنين بتحقيرهم واهانتهم لكونهم غير مؤمنين فهذا الفعل يستوجب عقوبة السجن لمدة لا تزيد عن عشر سنين او الحبس بموجب المادة (202) من نفس القانون. وبذلك حقق القانون التوازن بين مجال المؤمنين ومجال المواطنين وفرض السلم الاهلي بذلك التوازن.
3. التعددية القانونية المحدودة ووحدة القضاء
التعايش والتواؤم السلمي بين المؤمنين والمواطنين رغم الاختلاف الفكري والولائي لهما يعد من اساسيات وظائف القانون ويحتاج الى جهود ضخمة, تبدأ بقوانين الدولة واعادة بناءها وفق رؤية شاملة موحدة على اساس "المواطنة كأساس للاستقرار", فقد اعترف القانون العراقي بتعددية قانونية ولكنها تعددية محدودة في مجال المؤمنين الخاص, وبنواحي محددة كتشريعات مستقلة او مدمجة لغرض ادارة التنوع الديني والثقافي دون التضحية بالوحدة الوطنية للكيان الجمعي, فسمح للمؤمنين بالالتزام بانظمتهم الدينية في مجالات في مجالات الاحوال الشخصية, اموال الوقف, التعاملات المالية من خلال فتح مصارف محدودة, ومدارس دينية, والعطل الدينية. بهذه المجالات المحدودة اعترف القانون العراقي للمؤمنين بتشريعاتهم الدينية, ولكن هذه التشريعات الدينية يجب ان تمر الى السلطة الدولة الوضعية المتمثلة بالبرلمان لتشريعها كقوانين خاصة لفئة دينية معينة, وتكون كل هذه المؤسسات الدينية تحت اشراف الدولة, وعلى الرغم من السماح بالتعددية القانونية المحدودة الا ان الجهة التي تفصل بالنزاع بين المؤمنين والمواطنين هي جهة واحدة و هي الدولة العراقية والمتمثلة بالقضاء المستقل المحايد, وذلك لضمان وحدة الدولة, وربط المؤمنين بالدولة من خلال إشعارهم ان هويتهم غير مهمشة، مع وحدة الجهة التي تفصل بالنزاع بينهما.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

 علي حسين ذكر كاتبو سيرة نوري السعيد أشهر رئيس وزراء في تاريخ العراق، أن الرجل كان يقابل تصرفات بعض الساسة ونزقهم وتهورهم بأن يرفع يديه إلى السماء قائلا : "اللهم أشكو إليك زعاطيط...
علي حسين

كلاكيت: نيتفلكس.. من منصة توزيع الى ملاذ لمشاريع

 علاء المفرجي - 1 - عندما تأسست نيتفلكس عام 1997 في الولايات المتحدة، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول شركة لتأجير أقراص DVD بالبريد إلى واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في صناعة السينما...
علاء المفرجي

حملة عدائية تستهدف المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان الفلسطيني

د.كاظم المقدادي في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتعرض المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرنشيسكا ألبنيزي، لحملة عدائية سافرة جديدة وسط الهجمات...
د. كاظم المقدادي

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

جورج منصور في صباح شتوي من شتاءات أربيل، كانت المدينة تستيقظ على وقع بردٍ خفيف يهبط من سفوح الجبال القريبة المكسوة بالغيوم، وعلى إيقاع حياةٍ لم تهدأ منذ قرون. هناك، بين أزقة التاريخ العتيقة...
جورج منصور
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram