د. فالح الحمــراني
لقد جذبت المناقشات الأخيرة في المملكة العربية السعودية بين المسؤولين الأميركيين والروس بشأن وقف إطلاق النار في المستقبل في الصراع المسلح في أوكرانيا، فضلاً عن الصدام بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، التي بلغت ذروتها في جدال حاد في البيت الأبيض في 28 شباط، اهتماما كبيرا في إيران. إن رد فعل طهران على هذه الأحداث يعكس الانقسامات الداخلية بين المعسكرين السياسيين الرئيسيين في البلاد: المتشددين والإصلاحيين البراجماتيين، وخاصة فيما يتصل بقضايا السياسة الخارجية والأمن القومي. ويعتقد المتشددون أن الأحداث ذات الصلة بالحرب في أوكرانيا تؤكد وجهة نظرهم القائلة بأنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة. ويؤكدون أيضاً أن قرار أوكرانيا بالتخلي عن الأسلحة النووية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان بمثابة تحذير لإيران. وفي الوقت نفسه، يعرب الإصلاحيون البراجماتيون عن قلقهم المتزايد من أن تحسن العلاقات بين موسكو وواشنطن قد تكون على حساب إيران.
وما يزال تعزيز الشراكات مع روسيا والصين كجزء من سياسة "إيران تتطلع شرقاً" التي تنتهجها طهران في السنوات الأخيرة يشكل نقطة خلاف رئيسية بين التيارات السياسية الإيرانية. في حين أن أنصار النظام في المعسكر المحافظ يؤيدون هذه السياسة بقوة، فقد حذر المرتبطون بالفصيل البراجماتي الإصلاحي منذ فترة طويلة من اعتماد إيران المتزايد على روسيا والصين. ويزعمون أن هذه القوى العالمية قد تضحي في نهاية المطاف بالمصالح الوطنية الإيرانية من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية على الساحة الدولية. وتجلت هذه الاختلافات أيضًا في رد الفعل على العملية العسكرية الخاصة التي نفذتها القوات المسلحة الروسية في أوكرانيا في شباط 2022. وفي حين أعربت القيادة الإيرانية عن دعمها غير المشروط لروسيا، فإن الفصائل التي توصف بالمعتدلة، نأت بنفسها عن التقدم الروسي وحذرت طهران من الاقتراب أكثر من اللازم من موسكو.
ويعتقد المحلل العسكري الروسي، المستشرق طاهر غانييف، من غير المحتمل أن تتغير المفاهيم الأساسية للسياسيين الإيرانيين بشكل جذري، رغم التطورات المتسارعة في العالم، وإن العلاقات المتطورة بين الولايات المتحدة وروسيا، قد تؤثر على قرارات طهران مع اقترابها من اللحظة الحاسمة بشأن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني.
وفي خضم المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن الأزمة الأوكرانية، قدم المتشددون الإيرانيون الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس ترامب للرئيس زيلينسكي باعتبارها دليلا آخر على ازدواجية الولايات المتحدة - حتى تجاه حلفائها.
وعلاوة على ذلك، يرى متشددون إيرانيون أن النفوذ الروسي المتزايد على خلفية الأحداث الأخيرة في أوكرانيا يؤكد قرار القيادة الإيرانية بتعميق شراكتها الاستراتيجية مع موسكو. ويؤكدون أن إيران "على الجانب الصحيح من التاريخ" في ظل تغير النظام العالمي. وقال موقع "نادي الصحفيين الشباب" الإخباري المتشدد إن الأحداث في أوكرانيا تعكس تحولا عالميا من عالم أحادي القطب تحت هيمنة الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب تلعب فيه روسيا والصين دورا مركزيا. ويزعم الموقع أن إيران استغلت بنجاح الصراع المسلح في أوكرانيا، وانحازت بشكل حاسم إلى روسيا، لتعزيز مكانتها في النظام العالمي وتعزيز التعاون الاستراتيجي مع كل من موسكو وبكين.
ويشير المحافظون الإيرانيون أيضًا إلى الأحداث الأخيرة كدليل على الحاجة إلى الحفاظ على القدرات العسكرية الاستراتيجية، بما في ذلك الأسلحة الصاروخية. وفي مقال بعنوان "الدرس المستفاد"، زعمت صحيفة "وطن أمروز" المحافظة أن المأزق الحالي الذي تعيشه أوكرانيا نابع من قرارها في عام 1994 بالتخلي عن أسلحتها النووية بموجب مذكرة بودابست مقابل ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا. وتشير المقالة أيضًا إلى أنه بعد بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا في عام 2022، اعترف الرئيس زيلينسكي نفسه بأنه لو احتفظت أوكرانيا بترسانتها النووية، لما كانت تجرؤ أي دولة على مهاجمتها. وخلص المقال إلى أن المصير القاتم لأوكرانيا كساحة معركة بين روسيا والغرب يوضح الأهمية الحاسمة للحفاظ على القدرات العسكرية والدفاعية.
وفي الوقت نفسه، ترتفع أصوات من معسكر الإصلاحيين البراجماتيين تعرب عن مخاوفها من أن روسيا قد تضع الاتفاق مع الولايات المتحدة فوق مصالح إيران في الصراع المسلح في أوكرانيا. وتظل هذه المخاوف قائمة على الرغم من التطورات الإيجابية الأخيرة في العلاقات الإيرانية الروسية، بما في ذلك توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين البلدين خلال زيارة الرئيس مسعود بزشكيان إلى موسكو في كانون الثاني 2025، وزيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى طهران في أواخر شباط، وزيارة أمين مجلس الأمن الروسي سيرجي شويغو إلى طهران في 21 آذار. وحذرت صحيفة "أرمان أمروز" الإصلاحية من أن العلاقات الوثيقة بين موسكو وواشنطن قد تهدد المصالح الحيوية لإيران. وزعمت أن الصين وإيران كانتا هدفين رئيسيين للعداء من جانب إدارة ترامب الجديدة، وأن الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا قد يؤدي إلى عزلة إيران. وحذرت الصحيفة من أنه إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لإنهاء الدعم لأوكرانيا، فقد تتخلى روسيا عن إيران في وقت وصلت فيه التوترات بين طهران وإسرائيل إلى نقطة حرجة. وعلى نحو مماثل، حذرت صحيفة "جمهوري إسلامي"، التي اتخذت موقفا أكثر براجماتية في السنوات الأخيرة، من أن إيران قد تصبح ضحية جانبية في أي اتفاق محتمل بين ترامب وبوتين. وتشير المقالة إلى أن بوتن قد يمنح ترامب حرية عمل غير محدودة في الشرق الأوسط مقابل مكاسب إقليمية في أوكرانيا، مما قد يغض الطرف عن أي إجراءات أمريكية ضد إيران. وتدعو المقالة السلطات الإيرانية إلى التحرك السريع للتخفيف من العواقب السلبية للاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا.
ويأتي رد إيران على التطورات المحيطة بالحرب في أوكرانيا وسط نقاش متزايد داخل قيادة طهران حول الاستراتيجية المناسبة للمفاوضات مع الإدارة الأميركية الجديدة ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. ويدعو الفصيل البراجماتي إلى اتباع نهج أكثر تصالحية تجاه واشنطن، ويدفع نحو استئناف المحادثات على أمل تخفيف العقوبات. في المقابل، يعارض المتشددون بشكل قاطع تقديم أي تنازلات للولايات المتحدة. وقد أكد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي مؤخرا اعتقاده بعدم جدوى المفاوضات مع واشنطن.
وبحسب البروفيسور طاهر غانييف، فإن كلا المعسكرين السياسيين في إيران يستغلان الأحداث العالمية لتعزيز وتبرير آرائهما الراسخة بشأن الولايات المتحدة وروسيا والسياسة النووية الإيرانية. بالنسبة للمتشددين، تؤكد الأحداث الأخيرة اعتقادهم بأنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة على الإطلاق، وأن على إيران أن تحافظ على قدراتها الاستراتيجية ــ وخاصة برامجها الصاروخية والنووية ــ من أجل الأمن والردع. لكن الفصائل الأكثر اعتدالا تزعم أن التعاون المتنامي بين الولايات المتحدة وروسيا من الممكن أن يشكل تحديا خطيرا لإيران، وهو ما يؤكد الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق مع واشنطن.
· استفادت المادة من دراسة نشرها معهد الشرق الأوسط