طالب عبد العزيز
كثيرا ما نرى، وضمن فعاليات معارض الكتب في العالم توافد طلاب المدارس عليها، وهو مشهد كنت قد شاهدته في مدن كثيرة منها بيروت والقاهرة وغيرها، لكنني قلما شاهدته في بغداد والبصرة، وهو قصور واضح في أداء إدارات المدارس. وبغض النظر عن قضية شراء الكتاب أو اقتنائه فإن زيارة أماكن الفعاليات الثقافية هذه هي محاولة في جذب الطالب الى عالم القراءة والمعرفة خارج حدود المدرسة. في روما ولندن رأيت أفواج الطلاب صحبة مدرسيهم يتوافدون بشكل لافت جداً على المتاحف التاريخية والفنية، يسألون ويحاورون ويرسمون، وهم جزء من الوجود الكوني هناك.
في البصرة بمحلة نظران هناك متحف البصرة التاريخي، وآخر داخل منطقة القصور متحف باسم متحف البصرة الحضاري، والى جانبه هناك متحف التاريخ الطبيعي، وهناك مركز المخطوطات الذي افتتح مؤخراً في البصرة القديمة، وربما اجتهد بعض الميسورين فأنشا متحفاً خاصا به بمعنى ما فأن المدينة باتت أكثر عناية من قبل بقضية المتاحف، وهذا ما يواكب النهضة العمرانية والخدمية التي تشهدها في غالب ضواحيها، لكنَّ المواقع هذه قلّما حظيت بعناية المواطن، وهناك جفوة تصده عن زيارتها، ولعل العبء الأكثر تتحملة إدارت المدارس، فهي المعنية في الامر قبل غيرها، بل وتقع على إدارة التربية في المدينة مسؤولية أولية في التوجبه والمتابعة.
يرأس الفنان رشاد سليم وهو نجل الفنان والكاتب نزار سليم (لجنة إحياء الموروث الملاحي في العراق) ويعمل منذ سنوات، مع فريق عمل فني وثقافي على صناعة قوارب مختلفة الاشكال والاحجام تشكّل بمجملها الموروث الملاحي ليس في البصرة حسب إنما في عموم العراق، وفي فعالية جميلة تم افتتاح المعرض الجديد، بإطلالته الساحرة على شط العرب، وموقعه المتميز، داخل متحف البصرة الحضاري في القصور الحكومية، بما يوجهها الى قيمة جمالية وسياحية وثقافية مهمة وملهمة للمهتمين بتراث البصرة، فالمعرض يضم الكثير من القوارب التراثية المصنعة بحرفية وإتقان، بعضها مصغرات فنية مصحوبة بلوحات تعريفية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية، والبعض الآخر بالحجم الاعتيادي، فضلاً عن ورشة لتصنيع وصيانة القوارب التراثية، ومختبر بحثي لدراسة الموروث الملاحي فيه الكثير من الكتب والصور والخرائط القديم، والمعرض تابع لمركز المخطوطات والتراث البصري.
هناك شبه قطيعة بين الانسان العراقي الحالي وتاريخه الرافديني، ويمكننا قراءة القطيعة هذه عبر ممارسات ممنهجة، تعمل عليها دوائر ومؤسسات غايتها أقناع الأجيال الجديدة من العراقيين ببطلان أهمية الاثر العراقي القديم، وفك ارتباطه به، وتوجيهه الوجهة الدينية- الطائفية، التي ستخلده في الجنة، عبر الطقوس والممارسات والشعائر، وتجهيله بكل ما يمت له من صلة بأجداده السومريين والاكديين والبابليين والاشوريين والسيطرة عليه بما يقوض في داخله فكرة الانتماء للوطن الموغل في الحضارة. من يلاحظ الطرق المستمر بجعل العراقي متعلقاً بالاضرحة، غارقاً في حزنه، مفجوعاً دائماً، نادباً أبدياً سيدرك معنى القطيعة بينه وتاريخه الرافديني.
أليس من العيب أن لا يقرأ أبناؤنا أشعار الآلهة إنخيدوانا، ابنة سرجون الاكادي، الأميرة الرافدينية، وأقدم شاعرة عرفها التاريخ، والكاهنة العليا، التي وحَّدت الحضارتين الأكادية والسومرية. وأليس من العار أن لا تعرف أجيالنا الجديدة شيئاً عن الأسطورة الرافدينية التي تقول بإن الإله تموز وقع في غرام إلهة الخصب والحب والجمال عشتار، وبعد منافسة مع الكثيرين من خاطبي ودّها، نجح تموز في إقناع عشتار بالزواج منه؟ ثم، لا نجد أقبح من جهلهم بقصة الخلود التي سطرتها ملحمة جلجامش، التي تعد أهمِّ أثر في التاريخ الإنساني! أليس من الجدوى جعل الاشعار والحكم والمواعظ التي جاءت بها الواح سومر وبابل وأكد وآشور بمتناول أبنائنا، وتذكيرهم بأنهم الأولاد والحفدة والاسباط للإنسان الأول في التاريخ، باني الحضارات، ومؤسس الشرائع، وصاحب الرسالات الإنسانية العظيمة بدلاً عن تلويث عقولهم بملوثات القبائل والطوائف والأحزاب؟