عصام الياسري
قبل أيام حيث كان برد الشتاء قد اشتد من جديد - توجهنا سوية أنا والصديق الشاعر العراقي فارس مطر لقضاء أمسية عشاء في مطعم تركي في أحد أحياء العاصمة برلين المتنوع الثقافات والمكتظ بالحكايات المبعثرة وألوانها. ركنا إلى زاوية منعزلة تطفو الأضواء على جدران جنباتها نتناول أطراف الحديث عن الثقافة والأدب والحياة العامة والأصدقاء وأوضاعهم.
التقيت فارس هذا المساء بعد انقطاع دام لأكثر من أربعة أشهر، جلس نحوي بابتسامة هادئة وعيون تحمل ثقل التأمل والكلمات. تبادلنا الرأي عن الشعر، وعن قصيدته الجديدة الموسومة "الوقت الثقيل" التي أسمعني: سألته عن مخاض هذه القصيدة، عن لحظة ميلادها، وعن الأحاسيس التي تسربت بين أبياتها، فأطرق قليلا، ثم قال بصوت شجي: "الوقت ليس مجرد عقارب تدور، إنه ثقل الأيام التي تتراكم في الروح، هو صدى الزمن والعودة إليه من جديد، الانتظار الذي يكبر ببطء حتى يغدو جزءا من ذواتنا."
كانت كلماته لغة تنبض بالحياة رغم صمتها، تحمل ذات الإيقاع الذي قرأته في قصيدته، وكأن الشعر ليس مجرد كتابة، بل كيان يعيش داخل الشاعر ويتحدث من خلاله. في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أحاوره فقط، بل كنت أتنقل بين أبياته، أعيش صوره، وأحمل شيئا من "الوقت الثقيل" الذي أسكنه بين سطوره...
كالعادة، يمر صباحاً في الحي الهادئ
يحيي أشجار البلوط
وسياج الورد
وقطة خلف نافذة مطلة
صباح الخير، يقول لجوقة التلاميذ
يتفحص المنتظرين عند المحطة في أخر الشارع
الرجل المستعجل ذو الحذاء الرياضي
موظفة البنك ببدلتها السوداء
كلب الهسكي البني والسيدة البولندية
متقاعدة تحاول التنصل من عادة الذهاب الى العمل باكراً
مُدَخّنٌ أنيقٌ يقف جانباً
زوجان بحقيبة سفر واحدة يتحدثان عن بلد دافئ
والستيني النحيف، سائق الحافلة التي وصلت تواً
عبر موقف الدراجات الهوائية
يواصل المشي مطرقاً متأملاً حذائه الطبي المريح
المعطف الرمادي الذي يغطي أسفل ركبتيه
عصاه التي تَنكَأُ ممر المشاة
والأحجار المصفوفة بمهارة، تغريه بمواصلة الخطى
لا يجدُ بُدّاً من قليل الفضول
إذ يشير الى جهة العنوان الصحيحة
لمسنٍّ لم يُعرهُ اهتماماً ويواصل المشي الى الوجهة الخطأ
عرضهُ مساعدة عجوز يزيح الثلج من مدخل بيته
والذي يتجاهله تماماً
استعداده إعطاء دورس مجانية
دون أن يلقى استجابة من الأم
التي تبحث عن من يساعد ابنتها
تقديم يورو وأربعين سنتاً ليافع انصرف مسرعاً
لم يجد في جيبه عملات معدنية
لشراء بسكويت من ماكنة البيع الآلي، لم يره أصلاً
إبراز بطاقة النقل الشهرية لمفتش التذاكر
الذي تخطاه متجاهلاً في قطار الأنفاق
أو تنبيه راكبة منشغلة بهاتفها الخلوي
ستفوِّت محطتها، لن ترد عليه
أيها الشبح الذي لا يُرى ولا يُسمع
دع قمراً يطير من صدرك دائماً
عِشْ أغنياتك
فأنت من ترك الصالة مضاءة بعد العشاء الأخير
عُد الى مثواك في مقبرة الحي الأنيقة
اكنس الأوراق المتساقطة التي تغطي اسمك
لا بأس إن لم تجد باقةً أو شمعةً
لا بأس، فقد عشت مهمشاً مغموراً
وسعيداً هادئاً كما الآن
غداً ستقوم بجولة أخرى
وستصرُّ على أنك حيٌّ متحركٌ
يبذل عطاؤه اللا مرئي
لطالما قلتَ لنفسك:
يوماً ما لن تفتقدني المدينة
وجوهها، شوارعها، منتدياتها
سأُبعِدُ المظلة وأترك المطر يُكملُ المعنى
نكتشف كل شيء عن حياتنا في اللحظة الأخيرة
من الصدع يدخل الضوء
من الإغماضة تنبثق الرؤى
الى صدري يعود سرب الكراكي
تتدلى نباتات الشرفة
يبدأ اللحن
على الضباب أفتح النافذة
أضع قلبي على راحتيَّ
واستشرف البدايات الجديدة
في فضاء نص أدبي من الشعر كهذا "الوقت الثقيل"، يريد الشاعر فارس مطر، أن يضعنا في قلب تجربة شعورية تتجاوز الزمن المادي، حيث يصبح الوقت أكثر من مجرد حركة عقارب الساعة، بل يتحول إلى كيان ثقيل يسكن الأرواح ويضغط على الذاكرة والأحلام. إنه يأخذنا إلى عالم من التأمل العميق، حيث يتجلى الانتظار، القلق، الإحساس بالفقد، وثقل اللحظات التي تمر ببطء كأنها تحفر في الوجدان.
يبدو أن الشاعر لا يكتفي بوضعنا كمراقبين خارج القصيدة، بل يريدنا أن نعيشها ونحمل عبء الوقت معه. نحن لسنا مجرد قراء، بل نشعر بثقل الزمن في كلمات القصيدة، في إيقاعها المتباطئ، في صورها التي تمتد كظلال طويلة في مساء لا ينتهي. ربما يريد أن يضعنا في تلك المساحة الرمادية بين الماضي الذي لا يرحل والمستقبل الذي لا يأتي، حيث نصبح عالقين في لحظة دائمة من التأمل والحيرة، تماما كما هو. إنه لا يكتب عن الوقت كفكرة مجردة، بل يجعله ملموسا، محسوسا، متسربا في تفاصيل الحياة اليومية، ليجعلنا نتساءل معه: هل نحن الذين نحمل الوقت، أم أن الوقت هو الذي يحملنا؟
الحديث، حيث تمتزج الكلمة بالصورة، وتتداخل الفكرة بالإيقاع، يبرز لنا نص شعري يفيض بتأملات الشاعر، الذي لا يكتفي التعبير في قصيدته الجديدة عن معايشاته في محيط، ذاته، إنما أن يكون صدى لوجدانه، بل يجسد قلقه الفكري في تركيب لغوي يتحدى الأشكال التقليدية.
قصيدة "الوقت الثقيل"، لفارس مطر، نموذج لهذا التحول الحداثي، إذ لا تقتصر على البوح العاطفي، بل تتشابك فيها الرؤى والهموم الإنسانية والتجربة الشخصية. في هذه القصيدة، يستبطن إحساسا بالحزن والاغتراب بلغة متدفقة، تستدعي إيقاعا داخليا يتجاوز الأوزان التقليدية، فيغدو الوزن الحر وسيلة لاستيعاب تدفق الشعور وتحولات الصورة. فيما بنية القصيدة تتسم بالحركة والانسيابية، فالصور تنساب، متحررة من التحديد الزمني أو المكاني، فتارة تتخذ صوتا حزينا، وتارة أخرى تبشر بالخلاص. وهذا ما يجعلها نص مفتوح، متعدد الدلالات، تتباين تأويلاته وفقا للسياقات المختلفة.
هي محاولة للقبض على جوهر التجربة الإنسانية بلغة تترك المجال للمتلقي كي يشارك في بناء المعنى، فلا يقتصر دور القارئ على التلقي السلبي، بل يصبح شريك في إعادة خلق النص. وهكذا، يتحول الشعر إلى مختبر للغة، حيث تختبر طاقاته التعبيرية، ويعاد تشكيل علاقته بالزمن، بالمكان، وبالمعنى ذاته.
"الوقت الثقيل" مثال على كيف يمكن للحداثة الشعرية أن تتجاوز مجرد التجريب الشكلي، لتصبح وسيلة لاكتشاف الذات والعالم، ولإعادة صياغة الوجود بلغة تستوعب تعقيداته وتوتراته...
عقارب الوقت تدور في قصيدة "الوقت الثقيل" لفارس مطر

نشر في: 26 مارس, 2025: 12:02 ص