حازم مبيضين فجرت الشرارة التي أشعلت جسد التونسي محمد البوعزيزي ناراً هائلة، التهمت أولاً زين العابدين بن علي، وامتد لهبها ليحرق ثلاثين عاماً من حكم مبارك، وانتشرت في هشيم الدوحة وصنعاء والجزائر وبنغازي والكويت وبغداد وطاولت طهران، فيما تمركزت قوى القمع في كل هذه الحواضر، لتجرب ما جربته الشرطة في تونس ومصر دون
جدوى، والواضح أن الاحتجاجات التي تتسيد معظم عواصم العرب ستستمر إلى أن تحقق أهدافها كاملة، ودون أي مبادرة لتصديق الوعود التي أدمنت السلطات الحاكمة على بذلها، دون أن تفكر بالوفاء بها، والتجارب ماثلة للعيان.في البحرين تصدى المئات من أفراد الشرطة للتظاهرات التي تطالب بإصلاحات سياسية جذرية، وصبغ الدم ساحة اللؤلؤة، واصطبغت التظاهرات بلون طائفي، وفي ليبيا، وفي المواجهة الأولى تمكنت الشرطة ولجان العقيد من تفريق تظاهرات يوم الثلاثاء الماضي، لكنها عادت لتواجه انتفاضات حقيقية في معظم المدن الليبية، وفي إيران تصادمت قوى النظام مع منتقديه، في ظل مطالبة أنصار أحمدي نجاد بإعدام موسوي وكروبي وهما مرشحان نافسا نجاد ورفضا نتائج الانتخابات، وفي اليمن السعيد طالب المتظاهرون باستقالة علي عبد الله صالح، وقتل عدد منهم برصاص الشرطة، والواضح اليوم أن عامل الخوف قد انكسر. لن يكون مجدياً أن تنشر قوى الأمن في البحرين تسجيلاً للمواجهات بينها وبين المتظاهرين تظهر فيه صوراً لعدد من عناصر الأمن مصابين وتجرى عمليات لإسعافهم، ففي الوقت نفسه كان أهالي ضحايا التظاهرات يشيعون القتلى، ولم يعد مجدياً سماع التصريحات عن تقدير واحترام مبدأ حرية التعبير عن الرأي، أو الإشادة بما يتمتع به شعب البحرين من حرص والتزام خلال ممارسته حق التعبير عبر المسيرات القانونية السلمية، وليس صحيحاً أن دور قوات الأمن العام، يقتصر على تأمين انتظام المسيرات المرخص لها تحاشياً من استغلال البعض لهذه المسيرات من الخروج عن أهدافها، فسقوط أربعة قتلى وجرح أكثر من 200 لا يؤكد هذا الكلام.في اليمن تسارعت حدة التوتر بشكل مربك للسلطات، التي جندت كما في مصر أعداداً من البلطجية، المسلحين بالعصي الكهربائية والخشبية والأسلحة البيضاء والنارية، يتنقلون ما بين ميدان التحرير وبوابة جامعة صنعاء بشاحنات الجيش، فيما تتغيب قوات الأمن، في سيناريو مشابه لما حدث في القاهرة. وفي العراق تنقلت شرارة الاحتجاج من الجنوب إلى الوسط ووصلت إلى أقصى الشمال مطالبة بمكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين ومعالجة البطالة ونقص الخدمات الأساسية للمواطنين، وتمنع المتطرفين من ورثة أفكار صدام الإيمانية من التحكم، وبما يؤكد اليوم أن العراقيين يؤمنون بضرورة إزالة كل الفوارق بين المحكوم والحاكم المكلف بخدمة الناس، وإفهامه أن منصبه ليس حظوة أو تشريفاً. في أقصى المغرب العربي وافقت السلطات الجزائرية على أن تنظم التنسيقية الوطنية للتغيير والديمقراطية تظاهرة داخل قاعة في وهران بعد أن كانت منعتها في وقت سابق، مثلما منعت التظاهر في العاصمة وجندت السبت الماضي 30 ألف شرطي لمواجهة ألفي متظاهر، لكن ذلك لم يمنع الدعوة إلى تظاهرة اليوم يشارك فيها كل الجزائريين، شباباً وطلاباً ونساءً وعاطلين عن العمل ومتقاعدين وعمالاً.المؤكد اليوم أن المطالب الشعبية لا تقتصر على استمرار الحاكم مدى الحياة، وتوريثه الحكم لابنه من بعده، ولا في توفير لقمة العيش على أهميتها، ولا في حكم ديمقراطي صوري يكتفي بالقشور، وإنما في توفر كل ذلك ليس باعتباره منةً من الحاكم وإنما باعتباره حقاً من حقوق الشعب بات واضحاً أنه لن يتنازل عن أي جزء منه وهو مستعد للتضحية في سبيل ذلك، وعلى واشنطن أن تدرك أن وقوفها إلى جانب الشعوب وليس أنظمة القمع سيكسبها النفوذ الذي خسرته في العالم العربي.
فـي الحدث :شرارة الثورة المتنقلة

نشر في: 18 فبراير, 2011: 07:00 م







