فراس ناجي
تواجه دول ومجتمعات المشرق العربي تحدياً وجودياً عبر حالة التوحش اللاإنساني في استعمال القوة لفرض إرادة المشروع الاستيطاني الصهيوني التوسعي بالتزامن مع انهيار مبادئ النظام الدولي وشلل مؤسساته المعنية بتطبيق هذه المبادئ.
لقد كشفت الحرب الجارية على فلسطين الوجه الهمجي والفاشي لإسرائيل ومخططاتها التوسعية من خلال حرب الإبادة ضد الفلسطينيين واحتلالها أراضي جديدة في جنوب لبنان وثلاث محافظات كاملة في جنوب غرب سوريا، بدعم أمريكي غير محدود سواء من قبل الإدارة الامريكية الجديدة، أو من قبل فئات المسيحية الصهيونية، وفي ظل عجز للمجتمع الدولي وتهاوي للمؤسسات الأممية. فقد صرّح مايك هاكابي السفير الأمريكي الجديد في إسرائيل عن اجراء "تغييرات في الشرق الأوسط ذات أبعاد توراتية"، بينما يضغط قادة الإنجيليين على ترامب لضم الضفة الغربية الى إسرائيل ويحشدون الدعم في الكونغرس الأمريكي لمطالبهم.
أما خطة الرئيس الأمريكي ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة و"استيلاء" أمريكا عليها كقطعة أرض عقارية لتحويلها الى "ريفيرا" عالمية، فقد سعت الى اسقاط اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل - الذي كان مبعوث ترامب أحد الضامنين له – والعمل على ابتزاز الأنظمة العربية لتضمن خطتُها البديلة أمن إسرائيل بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية وخروج قادتها في مقابل إعادة اعمار قطاع غزة مع بقاء الفلسطينيين. كما عملت هذه الخطة على تحويل جريمة الإبادة الجماعية بحق فلسطينيي غزة الى واقع حال بدون محاسبة مجرمي الحرب المتورطين فيها، ثم ارتكاب جريمة التطهير العرقي للفلسطينيين فوق ذلك. والجانب الأخطر في هذه السابقة هو العودة بالعالم الى حقبة الاستعمار ما قبل عصبة الأمم بشريعة القوة بدون أي محددات، إذ صرّح ترامب بأن "سلطة الولايات المتحدة الامريكية" هي التي تخوله بالاستحواذ على غزة وطرد الفلسطينيين منها؛ وهذا ما يؤكد أفول المشروع الحضاري الغربي والحاجة الى منظومة أخلاقية بديلة أكثر عالمية.
إن أمريكا الآن لا تعترف في الشأن الجيوسياسي الّا بالقوة فقط، فترامب اليوم لا يلتزم حتى مع الدول الأوربية التي يجمعها بأمريكا تحالف يعود الى أكثر من 80 عاماً، وعبر مؤسسات راسخة مثل حلف الناتو. فقد برر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث تحول الموقف الأمريكي من راعي مع حلفاءه الاوربيين لأوكرانيا في الحرب الى مُعارض لاستمرارها لمراعاة مطالب روسيا، بإنه يستند على "الاعتراف بحقائق القوة الصلبة على الأرض" وإن أوكرانيا غير قادرة على الانتصار في هذه الحرب حتى مع الدعم الغربي لها. أمّا أوروبا، فواقعياً إما أن تكون مستقلة ولديها القوة للتأثير على الحرب مع روسيا، أو التنحي جانباً وتنفيذ الإملاءات الامريكية الناتجة من اتفاقها مع روسيا خدمة لمصالح أمريكا وحدها. إن زمن التحالفات مع أمريكا قد ولّى؛ فترامب يتعامل بنفس هذا الأسلوب مع دول حليفة سابقاً تمثل مشاريع توسع لأمريكا لكنها لا تمتلك عناصر القوة مثل كندا والمكسيك وبنما والدنمارك (حول جرينلاند)، فعليهم تنفيذ ما تمليه عليهم أمريكا للحصول على الدعم او الحماية أو لمجرد النأي بنفسها عن العقوبات الامريكية.
إن ما يحدث الآن من إعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي الإقليمي وفق موازيين القوة وحدها يمثل تهديداً وجودياً لجميع دول المشرق العربي وخطر داهم لتركيا وإيران ودول الخليج العربي بما يناظر – أو حتى يتجاوز – خطورة مرحلة سايكس-بيكو في مطلع القرن الماضي والتي شكلت الجغرافية السياسية للمنطقة بوضعها الحالي. لكن محاولات اللجوء إلى الحلول الوسطى أو تحشيد الشجب والإدانة الدولية لا تنفع في مثل هذا الوضع الجيوسياسي، بل إن قوة الردع والقدرة على فرض كلفة عالية على النوايا العدوانية لإسرائيل وامريكا هي وحدها التي يمكن أن تقف في وجه هذه الأطماع التوسعية في مختلف دول المشرق العربي.
لذلك فالسؤال الأهم هنا، هو ما هي نقاط القوة في منطقتنا وكيف يمكن البناء عليها لخلق واقع جديد يمكن أن يوفر قوة رادعة ويفرض كلفة عالية على أمريكا وإسرائيل تمنعهم من السعي لإكمال مشاريعهم العدوانية فيها؟ إن قوى المقاومة في المشرق العربي لا يمكنها لوحدها التصدي للمشروع العدواني الأمريكي-الصهيوني، فدول هذه المقاومات مستنزفة ومجتمعاتها الوطنية منقسمة، وبالتالي تحتاج أن تستند على منظومة إقليمية أكبر. غير إن المنظومة الإقليمية للدول العربية – التي تديرها دول "محور الاعتدال" بقيادة السعودية ومصر – لا تبدو متأثرة بالتهديد الوجودي الذي يمثله المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة بدلالة مقررات القمة العربية الطارئة الأخيرة في مصر والتي لا تعدو عن تمنيات بدون أي إرادة حقيقية لتحقيقيها أو ردود أفعال لرفضها المطلق من قبل إسرائيل وامريكا، كما كان الحال مع المبادرة العربية للسلام في 2002.
إن السلوك العدواني والصادم لإدارة ترامب الجديدة وانكشاف توحش وفاشية إسرائيل، لا يُبقي خيارات كثيرة أو مساحات رمادية يمكن للدول العربية المعنية أن تحاول فيها الاستمرار في وضع التوازن الهش الذي ظلت فيه خلال الفترة السابقة. وفي حين لا يبدو لمصر أو الأردن سوى خيار دفن الرأس في الرمال والاستمرار في الدوران في الفلك الأمريكي رغم المخاطر على أنظمتها السياسية، تبقى سوريا ولبنان والعراق في وضع آخر نتيجة ضعف الدولة وقوة المجاميع المسلحة خارج سيطرة الدولة فيها. فهذه الدول تواجه خيارين صعبين: إما التدمير الذاتي عبر الانخراط في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي لتفتيت المنطقة والاستحواذ عليها، خاصة كونها الساحات الأكثر رخاوة وتأثرا بهذا المشروع؛ أو العمل على تجاوز الخلافات بينها لبناء منظومة إقليمية جديدة "مشرقية" تشمل تركيا وإيران يمكن أن تقاوم هذا المشروع وتوفر الحماية لهذه الدول في ظل شلل المنظومة الأممية وغياب أي طرف دولي آخر يمكن أن يوفر الحماية لهم.
لكن تشكيل المحور المشرقي هو شأن مهم أيضاً لكل من إيران التي تستفيد منه لمقاومة سياسة الضغوط القصوى الامريكية، وتركيا التي تتصاعد تحديات خصومتها مع إسرائيل خاصة بعد ان أصبحت سوريا ساحة للصراع بينهما. إن توسع احتلال الأراضي في سوريا وإعادة استهداف المقاومة في غزة والحوثيين في اليمن مع تهديد إيران بالحرب اذا لم تتنازل عن مكامن قوتها العسكرية، كل ذلك يشي بسعي المشروع الأمريكي-الإسرائيلي لتقويض كل القوى المناهضة، ليكون المسار مهيئاً للاستحواذ على الأرض – من الفرات الى النيل - وتهجير السكان الأصليين ومن ثم الاستيطان فيها.
وعلى الرغم من العقبات العديدة الآنية في السعي لتشكيل المحور المشرقي مثل التنافس الجيوسياسي بين إيران وتركيا، وضعف المؤسسات الوطنية لدول المشرق العربي مع الاستقطاب الطائفي والقومي في مجتمعاتها؛ لكن لابد من البدء في بناء وتطوير الرؤية لهذا المشروع لأجل تبنيها من قبل الدول المعنية وقواها المجتمعية الفاعلة. إن أهم أركان هذه الرؤية برأيي هو السعي لاستعادة دور المشرق الإسلامي التاريخي كقطب مهيمن على الشرق الأوسط من جهة، ومتفاعل مع عالم متعدد الأقطاب من جهة أخرى، والذي تلاشى منذ سقوط الدولة العثمانية وتقاسُم البريطانيين والفرنسيين تركتها في المشرق العربي. لكن العمل على تحقيق هذا الهدف ليس عن طريق العودة الى الخلافة، بل عبر تشكيل نظام أمني استراتيجي تكاملي بين دول المحور المشرقي لتوفير الحماية من التغوّل الأمريكي-الإسرائيلي ولمناهضة مشروعهم للاستحواذ على الأراضي والسيطرة على مقدرات المنطقة، بالإضافة الى التكامل مع مختلف الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط عبر استراتيجيات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية تستفيد منها جميع دول المحور للنمو الاقتصادي والازدهار.
لكن هذا المشروع لا يمكن مقاربته بدون تشكيل رؤية لتحقيق الاستقرار المجتمعي وترسيخ العلاقة المستدامة بين المجتمعات المحلية وأنظمة الحكم في هذه الدول المشرقية، والذي يتطلب التحرر من هيمنة الفكر الغربي الذي أنتج تجارب حكم فاشلة بسبب المحاكاة والاقتباس غير النقدي لنظم الحكم الغربية وأنظمتها السياسية؛ ما يستدعي تطوير نظم حكم تستند الى نقد التجربة الغربية مع الاستلهام من التجربة الثرية لنظام الحكم الإسلامي الذي أنتج مجتمعات مستقرة لقرون من الزمن في جغرافيات متنوعة.
ولعل من أهم الثوابت التي يجب نقدها ومراجعتها هي تعاريف الدولة الحديثة على النمط الغربي التي تم تأسيسها في المنطقة عبر الاحتلال الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تجمع في حدودها ما بين الحكم المركزي والأمة بهوية وطنية أو قومية واحدة. فهذا المفهوم يمثل معضلة جيوسياسية ومجتمعية في آن واحد: فالدول العربية الحديثة في المشرق أصغر من أن تقوم بحماية نفسها ما يجعلها بحاجة الى الحماية الخارجية، ومن جهة أخرى مركزية الحكم تستقطب الصراعات بين الطوائف والقوميات المتنافسة في الدولة. في حين تاريخياً في المشرق، الأمة هي منظومة سياسية أعلى من مستوى الدولة تمثل رابطة للمصلحة الاستراتيجية المشتركة والتكامل الثقافي-الحضاري؛ بينما الدولة هي غير قومية أو طائفية تدار بحكم لامركزي بحيث تستوعب التنوع القومي والطائفي والديني لمجاميع السكان وبطرق إدارة متنوعة. فهكذا كنا نرى دولاً يحكمها البويهيون الشيعة لكنها تمتد في ظل الخلافة العباسية السنية في بغداد، فيما تعاونت دول وامارات في مختلف انحاء المشرق على المستوى الاستراتيجي ضد الغزاة الفرنجة (الصليبيين) كونهم ضمن أمة إسلامية واحدة.
* أكاديمي عراقي