TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الزبير والمُستزْبِرون

قناطر: الزبير والمُستزْبِرون

نشر في: 6 إبريل, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

أثارت دعاوى بعض النوّاب والشخصيات الاجتماعية من (المستزبرين) الخاصة بجعل قضاء الزبير محافظة ردود أفعال رسمية شعبية كبيرة، خلال الأسبوعين الماضيين، ودافع عنها البعض على المستويين الرسمي والشعبي، واستنكرها غالبيةُ البصريين والمحافظ العيداني ومعه العديد من المسؤولين والشيوخ وكلهم يجمع على بطلان الدعاوى تلك، مُؤْثرين وحدة المحافظة، بوصفها المدينة التي لا تقبل التجزئة والقسمة على اثنين، فيما ذهب آخرون الى القول بأنَّ الذين تصدّوا للأمر إنما تصدوا له بدوافع عشائرية- سياسية –انتخابية لا تصمد أمام القوانين والتشريعات التي لا تمنح البرلمان حقَّ التجزئة، لأنَّ تسمية الوحدات الإدارية من خصيصة وزارة التخطيط والسلطات التنفيذية حصراً.
وبغض النظر عن إمكانية تحقيق رغبات الجهات تلك، نجدُ أنَّ دعاوى مشابهة لهذه كانت قد تبناها البعض في حكومة اقيليم كردستان بتسمية قضاء حلبجة محافظة رابعة قد جوبهت بالرفض، وهناك أحاديث تجري بين مناسبة وأخرى في تسمية المحافظة هذه أو مجموعة المحافظات بالاقليم، سنيٌّ مرة وشيعيٌّ مرة أخرى، وكلها لا تقوم على أسس موضوعية- خدمية- أو تعود بالنفع على المواطنين، هذا إذا لم تعكس الإخفاق الإداري والتنظيمي والخدمي على وجه الخصوص في المدن تلك. معلوم أنَّ الزبير تحظى بحصة الأسد في الخدمات والمشاريع.
لم يخف نافذون ومسؤولون وشيوخ عشائر في مناطق شمال البصرة دعواهم بتسمية قضاء القرنة والقرى والقصبات التابعة له محافظة ايضاً، فهم يريدون الاستقلال عن البصرة، وبذلك ستنسجم دعاواهم مع دعوات (المستزبرين) الذين ليس بينهم زبيريٌّ واحدٌ من أبٍ وجدٍّ زبيرييَّن! فقد غادر العراقَ الكثيرُ من الزبيريين، الأوائل، الذين اسسوا المدينة، بسبب المتغيرات السياسية والاقتصادية بعد انقلابات العسكر في الخمسينات والستينات، وتبعهم فيما بعد من تبقّى منهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث لم يشعروا بالأمان الاقتصادي والاجتماعي الذي كان صفة مدينة الزبير، اثر التغيير الديموغرافي الذي قلب صورة المدينة من نجديّة سنيّة مطلقة الى أغلبية شيعية عشائرية، لم يتشكل نسقها الاجتماعي، على وفق صورة معينة، بسبب طبيعة وتركيبة مختلف العشائر التي سكنتها.
شعبوية المسؤول في الدولة هي الأسوأ بين سلوكه، والمضي خلف الرغبات الشعبية غير المسؤولة يعني أنه بلا بوصلة، ومقولة الجمهور مضلل، التي نتداولها في النقد الادبي تصحُّ تماماً على قولنا بأنْ على القيادي المسؤول استشراف المستقبل لا الجري وراء الرغبات الشخصية والمطالب الشعبوية. يقول أحدُ دعاة مشروع (الزبير محافظة) وهو من المُستزبِرين (استزبرَ أيْ صار زبيرياً، ولم يكن كذلك من قبل) بأنَّ دعوته قامت بناء على موقف شخصيٍّ من المحافظ العيداني.
لا يحقُّ لك سلخ المدينة التي دخلتها بالأمس، بعد أنْ التي احتضنك، وأنعمت عليك، ووفرت لك السكن والوظيفة والوجاهة، يوم ضاقت بك المدينة التي جئت منها، فمن الوفاء أن تكون باراً بها، حريصاً على وحدتها، منسجما مع نسيجها الاجتماعي، لا ممزقا له، مراعياً شعور أهلها في العبادة والسلوك لا متجبراً عليهم بسبب كثرتك، وعدد البنادق التي جئت بها. قامت قيامة البعض يوم كتبنا عن التغيير الديموغرافي الذي تُحْدثه الهجرات الداخلية، التي تعرضت لها البصرة خلال العقود الماضية، الامر الذي أخلَّ ببنيتها الاجتماعية والمذهبية، ووصمنا غيرُ واحدٍ بالمناطقية والطائفية، ونحن منها براءٌ والله، ذلك لأننا ندرك عن وعيٍّ ووجدان خطورة المنقلب وما سيحدث.
يعمل التغيير الديموغرافي على طمس هوية المدينة، أيِّ مدينة. هناك صورة نمطية لكل مدينة في العالم، ينبغي المحافظة عليها، والهجرات الداخلية والخارجية يجب أن تكون متوازنة ومحسوبة النتائج، ولا تخلُّ بميزان الحياة القائمة، وبما لا يعمل على سلخ الهوية، وتغيير الطبيعة الاجتماعية –الدينية- المذهبية. نريد أن نرى المدن مختلفات، وغير متشابهات، أو ممسوخات. نعمل على تمزيق وطمس هوية مدينة مثل كربلاء الشيعية إذا ما صارت مسيحية أو فارسية أو يونانية أو سنيّة مثلاً! وحين تصبح الاعظمية مدينة شيعية مطلقة على سبيل المثال ستكون بغداد قد خسرت صورتها في الذاكرة العراقية والعربية والانسانية، وكذلك ستكون حال البصرة إذا اقتطعت منها الزبير.
معلوم أنَّ الزبير كانت تسمّى مدينة المئة مئذنة، وكل المآذن سنيّة فيها، ياترى الى كم ستبقي على حالها المساجدُ والمآذن تلك بعد أنْ بات عدد أبناء الطائفة هذه فيها لا يشكلون نسبة الـ 10% من مجموع سكانها اليوم؟ وما هو شكل ضريح الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك ومقبرة الحسن البصري وسواها بعد خمسين سنة يا ترى؟ في ظل التشدد الذي يشهده مجتمعنا، غير الموصوف بالاعتدال مع الاسف!
لا نتحدث عن فراغ، ولا نريد أن نجعل من التفاؤل سببا لتجميل مستقبل حياتنا، وغض النظر عن المخاطر.. علينا أن نقولها بما يجب. اقتطاع الزبير وجعلها محافظة بمختلف الدعاوى لا يجب أن يكون، وعلى كل صاحب ضمير ووجدان حيّ أن يقول كلمة الحق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram