لطفية الدليمي
لم أصدّق نفسي بادئ الأمر. فرنسيس فورد كوبولا، صانعُ الروائع السينمائية (العرّاب) و (القيامة الآن) و(المحادثة) تتوّجُهُ الأكاديمية السينمائية الأشهر في العالم على رأس قائمة الأفلام الأسوأ صناعة. هكذا رأى أقطاب صناعة السينما والممسكون بزمام جوائزها العالمية فلم كوبولا الأخير Megalopolis.
سنختلف في الأمر كثيراً. هل أرادت هوليوود معاقبته على إستقلاليته المفرطة حتى يكون مثالاً لمن يريد سلوك مسار آيديولوجي مختلف عن الجادة المرسومة؟ شاهدتُ الفلم ولم يأسرني كثيرا للوهلة الاولى؛ لكنّي تعلّمت من خبرة سابقة أنّ المشاهدة الأولى لا يعوّلُ عليها أبداً. المسألة أشبه باللقمة الأولى من طعام حار، لن تكفي لتحكم على الطبخة كلها. هذا هو الحكم العام على أي فلم؛ فكيف الحال مع كوبولا الذي جعل من عالم المافيا في (العرّاب) عالماً نشهد فيه مساءلة جادّة للقيم والنبل الإنساني بدلاً من مشاهد القتل بدم بارد؟ وجعل من المأساة البشرية في حرب عبثية لا معنى لها في فلم (القيامة الآن) عنواناً صارخاً يضجُّ بالإدانة لتجّار الحروب والأزمات؟
من اليسير دوماً أن نلقي بأزماتنا على الآخرين. قد يكون تصريح كوبولا عقب الإعلان عن كونه صاحب أسوأ فلم مفتاحاً لفهم كلّ المعضلة. قال كوبولا في إيجاز بالغ:"هوليوود تنقصها الشجاعة". يقصد بالطبع رسالة يتوقّعُ من المستمع أن يقرأ مضامينها المضمرة: هوليوود تعمل بموجب قوانين صارمة، وستعاقب كلّ من يجرؤ على الخروج عن سكّتها المرسومة. إعملْ بموجب تلك القوانين وحينها ستنال كلّ الجوائز، وبعكسه سيكون النبذ نهايتك المؤكّدة.
تألّمتُ كثيراً لمرأى كوبولا في مشهد أقرب إلى المعاقبة وهو في شيخوخته. قلت في سرّي: كم هم صفيقون هؤلاء القيّمون على أمر الجائزة!. لا تريديون فوزه لأسباب حقيقية أو مخترعة؛ لكن لماذا تريدون إهانته تحت لافتة أن لا كبير أو صغير أمام الجوائز. الكلّ متساوون وجودةُ الحرفة هي الفيصل. لكن في الوقت ذاته شرعتُ في تقليب الأمر من أوجه عدّة. الأمر أبعد من فلم سينمائي أو جائزة، كما أنّه أبعد من حالة صراعية تحت لافتة آيديولوجيا اليسار التي تجاهد بالضد من مكائد اليمين.
يبدو لي كوبولا وكأنّه ظلّ يختزن طيلة حياته شغفاً بشكل يوتوبي من السينما، شكل لم يتسنّ له صناعته لأنّه لم يلقَ هوى من المنتجين وأرباب المال الهوليوودي أو حتى المال المستقل. ربّما عمل كوبولا وجاهد طيلة حياته سعياً لبلوغ طور من حياته يكون فيها قادراً من الناحيتين المالية والتقنية على الإيفاء بمتطلبات هذا الفلم-الحلم الذي عاش به وله ومن أجله. وضع كوبولا في نهاية الأمر بيضه في سلّة واحدة. اقتضى منه هذا الفلم-الحلم جهداً ملحمياً مشفوعاً بمائة مليونٍ من الدولارات تحصّل عليها من صناعة النبيذ من مزارع الكروم العائدة له. ليس الخطأ في أنّ كوبولا أراد صنع هذا الفلم-الحلم، وليست خطيئة من جانب الأقطاب الهوليووديين أن لا يروا في الفلم ما يرقى إلى ذائقتهم الموصوفة بمحدّدات خاضعة لأحكام سياسية نعرفها ولتقييمات فنية تحاول تحطيم كل عمل خارج عن سياقات الصناعة الهوليوودية التقليدية. الرؤية الملحمية في هذا الفيلم كانت أكبر من ذائقة هوليوود ومعاييرها المألوفة و أظنها هي لبّ المعضلة.
أراد كوبولا ان لا يغادر الحياة إلا بعد أن يترك فيها بصمة ملحمية. ليس هيّناً أن تقتطع من جيبك الخاص مائة مليونٍ من الدولارات لتضعها في فلم ملحمي. هذه مغامرة، وكوبولا يعشق المغامرات. يقول أنّ السينما من غير مغامرة ليست سينما حقيقية. أعتقد بيقين كبير أنّ كوبولا تلذّذ بخسارته لتلك الملايين لأنّه رأى فيها تضحية تليق بحلمه الملحمي الكبير. لكن هل من الضروري أن نخسر مالنا ورؤيتنا لتحقيق أهدافنا الملحمية؟
أجيب بِـ (لا) كبيرة. الأفضل أن نربح بدلاً من أن نخسر، والنزوع الملحمي لا يشترط تعظيم الوسائل؛ إذ قد ننجح بوسائل بسيطة وإعلانات صغيرة من غير الإنسياق الجارف وراء الأهداف الملحمية الكبيرة. دعونا في أجواء الأفلام لكي تكون المقارنة أكثر صلاحية في النطاق الفنّي ذاته. وودي ألن لا يختلف كثيراً عن كوبولا في توجهاته السينمائية الإستقلالية التي كثيراً ما عبّر عنها في سخرية طافحة بالكوميديا السوداء من صناعة السينما الهوليوودية. ماكُتب عنه إعلانات شاخصة على هذه الكوميديا. لكنّ مقاربته تختلف عن كوبولا، وأظنّ أنّ التفوّق محسوم لجانب ألن في هذا الشأن.
يخطئ كثيراً من يتصوّرُ أنّ ألن يتصاغر في رؤيته الملحمية عن أعاظم المخرجين السينمائيين وحتى الكّتّاب. من يقرأ حواراته سيعجب لإتّساع معرفة هذا الرجل وقراءاته الواسعة وخبراته الغريبة. يمكنه أن يجعل أفلاطون ينبثق وسط مشهد راقص ليجعله يراقص فتاة في الخامسة عشرة، وبينما هما يراقصان بعضهما يمكنه أن يدير بينهما حواراً بأعلى المراتب الفلسفية. حتى المزحة لديه يمكن أن تحمل معرفة مذهلة وخطيرة. الفارق بين ألن وكوبولا هو الوسائل. كلاهما ملحميان؛ لكنّما ملحمية ألن تكمن في عبثية الحياة التي يمكن أن تكون دافعاً للمعيش الأرقى، في حين أنّ كوبولا يبدو صارماً حازماً ميالاً إلى مقاربة الموضوعات الكبيرة بوسائل كبيرة هي الأخرى. ثمّة مسألة أخرى: ألن لا يضع بيضه كله في سلّة واحدة؛ لذا تراه كلّ عام أو عامين كحدٍ أقصى وهو يصنع فلماً جديداً بموضوعة جديدة، وهذا ما جعل رصيده من الأفلام كبيراً بالمقارنة مع سواه من المخرجين. الوسائل الصغيرة غير المكلفة لا تتطلب الكثير من المال، وهذا ما مكّن ألن من التحليق خارج نطاق حسابات المال الهوليوودي. النتيجة أنّ ألن حقّق ذاته ورؤيته بمال قليل وأفلام كثيرة تتفاوت في جودتها، وهذا شيء متوقّع. الأمر على خلاف هذا تماماً مع كوبولا. لم يصنع سوى أفلام معدودة، وفلمه الأخير صنعه عقب عشر سنوات من التوقّف عن الإنتاج. فلم حلمي تريده تتويجاً ملحمياً لجهدك السينمائي في حياتك الكاملة، وتضخُّ فيه معظم مدّخراتك المالية. أليست هذه وصفة مثالية لفخّ ملحمي قاتل؟ ربّما إستطابه كوبولا بدافع نفسي ملحّ. أراد الخسارة ليجعلها إعلاناً صارخاً عن قدر الإنسان الصالح في عالم يحكمه الأشرار من أقطاب المال والسياسة؟
ربما سيندفع كثيرون في التصويت لصالح كوبولا والوقوف بجانبه وتعضيده كما العادة. كوبولا مخرج سينمائي عظيم بكلّ تأكيد؛ لكنّ مناطحة الأشرار بقرون مكشوفة ليست وسيلة مفيدة. القياس يكون على النتائج لا على النيّات المجرّدة. ستنكسر قرونك كما لو كانت قروناً طينية. ما الفائدة من كلّ هذا الصراع المحسوم من جانب واحد؟ هل يستحقُّ الإعلان المدوّي عن افتقاد هوليوود إلى الشجاعة كلّ هذه الخسارة؟
من المؤكّد أنّ كوبولا خسر الكثير من ملايينه المائة لأنّ فلمه لم يحقق سوى خمسة عشر مليوناً من الدولارات. كلّ ما أتمنّاه لهذا المخرج العبقري أن يكون قد ربح نفسه.