هاشم العقابيمثلما انتظرت ما الذي سيقوله حسني مبارك بعد هجمة البعران على ميدان التحرير، كنت انتظر ما سيقوله نوري المالكي، في مؤتمره الصحفي، بعد ضرب متظاهري الكوت بالرصاص الحي.توقعت أن يبدأ أولاً بالترحم على الشهداء، و يطلب الوقوف دقيقة حداد على أرواحهم أو يقرأ الفاتحة، طبقا لما اعتدنا عليه من الإسلاميين.
لم نسمع من رئيس وزرائنا غير انه لا يمانع خروج التظاهرات وانه مستعد لسماع مطالب المتظاهرين دون الإشارة إلى استعداد حكومته للاستجابة لها. هذا يعكس أن المالكي، ويشاركه بعض من أعضاء حزبه، يرى أن التظاهرات مجرد غريزة "بايولوجية" أثارتها أحداث المنطقة الأخيرة عند العراقيين. ثم قال بصريح العبارة انه مع التظاهرات لكن ضد تسييسها. أي انه يقبلها لكن بشرط. ولا ادري أي فقرة في الدستور تبيح لرئيس الوزراء فرض شروط على حق الشعب في التعبير عن آرائه؟ ثم بلّش يحذر ويكرر التحذير من "تسييس" مطالب الشعب العادلة، وكأن السياسة صارت كفراً وإلحاداً. هذه الرؤية تنذر بالتمهيد لفكرة الحزب الواحد. المعروف أننا في بلد يؤمن بالتعددية الحزبية ويقال إن فيه الآن أكثر من ثلاثين حزباً. وان كانت حرية الأحزاب مكفولة، فأين العيب في أن يتبنى حزب من الأحزاب مطالب الجماهير ويساند تظاهراتهم؟ أليس من حق كل حزب أن يتقرب من الجماهير بأمل أن تختاره في الانتخابات القادمة لقيادة الدولة؟ انه حق طبيعي ومشروع أيضاً.غريب أن يسمح بتسييس الدين ولا يسمح بتسييس التظاهرات. والأغرب أن رئيس الوزراء اعترف بوجود الفساد لكنه استدرك بأنه ضد تسييس الفساد. بصراحة عجزت عن فهم ماذا كان يقصد بذلك. أيقصد أن الأحزاب ممنوع عليها أن تشير للفساد؟ أم أن المعنى في قلب رئيس الوزراء؟ الذي يعرفه الشعب كله أن السيد رئيس الوزراء ليس سياسيا فقط بل هو حزبي أيضاً. لا تنه عن خلق وتأت بمثله. ورغم أن رئيس الوزراء لم يشر إلى حزب بعينه، لكن بعض "المبررين" قالوا انه قصد حزب البعث. هذا التبرير غير صحيح لان حزب البعث محظور دستوريا ومرفوض شعبيا. ثم أن شعارات التظاهرات لا تمت للبعث أو البعثيين بصلة. أما إن كان هناك من يريد ان يعاند ويقول إن البعث وراء التظاهرات، فهذا اعتراف مخيف ومرعب إذ يعني أن البعث يمتلك القدرة على تحريك الجماهير بهذه الكثافة. وان كان كذلك فـ "تيتي تيتي .. بيش رحتي وبيش اجيتي؟".من حق كل حزب أن يطمح للفوز برئاسة الحكومة، كما فعل حزب الدعوة. ومن حقه أن يكون بين الجماهير أينما وجدت وان يحثها على التظاهر السلمي إذا أراد. فـ "التسييس" عمره ما كان تهمة للآخرين إلا عند البعثيين وما شابههم من الأحزاب الشمولية.دأب البعثيون ومنذ يوم مجيئهم الأسود في العام 1963 على اتهام كل مثقف عراقي بأنه شيوعي ثم امتدت تلك التهمة لتطول كل من يتحدث عن السعادة أو الحرية. وتصاعدت لتشمل مكونات اجتماعية أو دينية كما حدث مع الصابئة الذين صاروا في عرف البعث كلهم شيوعيين.وفي الثمانينيات استخدم البعثيون الطريقة ذاتها مع حزب الدعوة. فكل شاب يصلي او يلتحي او يقرأ كتابا دينيا فهو عندهم من حزب دعوة. وبفعل هذا النوع الظالم من الاتهامات اعدم الكثير من الشعب العراقي. كان الاولى بالسيد المالكي وهو من حزب عانى الكثير وقدم الكثير من الضحايا أيام هيمنة الحزب الواحد، ألا يجعل من السياسة تهمة لتضييع حقوق المظلومين بحجة "التسييس".
سلاماً يا عراق: تهمة التسييس

نشر في: 19 فبراير, 2011: 08:36 م







