عامر القيسي شخصياً لا أعرف الرجل جعفر الصدر، ولكني على دراية بتأريخ عائلته المشرف في التصدي لنظام الدكتاتورية الصدامية والتضحيات التي قدموها من أجل عراق ديمقراطي حر. تعرفت عليه من خلال وسائل الإعلام عندما طرح اسمه كمرشح ترضية لرئاسة الوزراء في فترة اشتداد التنافس على هذا المنصب بين علاوي والمالكي، وحينها توضحت صورته لي أكثر وأصبحت شفافة للدرجة التي عبرت فيها في أكثر من مناسبة عن احترامي لشخصيته، خصوصا بعد أن كشفت نتائج الانتخابات عن رصيده الشعبي،
والذي عمق احترامي له، إن الرجل لم يتكئ على مئات الآلاف التي انتخبته ولم يبهرج نفسه عبر الإعلام كحال الذين اكتظت بهم شاشات الفضائيات باعتبارهم فرساناً للعملية السياسية في البلاد ولم يحصلوا إلا على عشرات الأصوات، لكن قانون الانتخابات لدينا، وهو محل جدل واسع بسبب عدم عدالته، كان وراء جلوس تلك المصائب على مقاعد البرلمان. أعلن جعفر الصدر استقالته من عضوية مجلس النواب الحالي، وهي أول خطوة يقدم عليها نائب عراقي، خلال ثلاث دورات برلمانية، لأسباب سياسية. وجاء في أسباب الاستقالة "إن أجواء المحسوبية الطاغية أفسدت الحياة السياسية وعرضتها للتآكل والغنغرينة في وقت ترك فيه المجتمع يواجه لوحده المصائب الجمة" وأضاف في تصريحات لوسائل الإعلام "علينا الاعتراف بان خيبة وقلقا عميقين يخيمان على عموم العراقيين بتعدديتهم الاثنية والمحلية والمذهبية".لابد من الاعتراف للرجل بان استقالته ربما ستؤسس لثقافة الاستقالة التي لا نعرفها، فلا احد يريد أن يستقيل أيها الرجل، الجميع متمسكون بالكراسي، لعنها الله، رغم الاحتجاجات والتظاهرات والغضب الشعبي العام والعارم الذي عم محافظات البلاد طولا وعرضا. تشبث غريب وعجيب وغير مبرر وكأن الكراسي لم توجد لخدمة الناس وتمثيلهم وإنما لتحويلها إلى إقطاعيات عائلية ومستندات طابو في دوائر التسجيل العقاري. ولابد من أن أقول لجعفر الصدر وبروح الاحترام والمحبة، انه ترك ساحة المواجهة لحيتان الفساد وقمع الحريات العامة، وان الفراغ الذي تركه سيشغله على الأغلب فاسد جديد، وأرجو ألا أكون قاسياً مع الرجل وتأريخه حين أقول انه هروب من المواجهة في اللحظة التي انتفض فيها الشعب من اجل حقوقه المهدورة، وهي لحظة في أمس الحاجة إلى رجال مثله. نعرف جيدا مدى الضغوطات التي تعرض ويتعرض لها، ونعرف حراجة الصمت وحرقته في بلعومه، ونعرف غصته وهو لا يستطيع أن يشير بإصبعه إلى الفاسد والمفسدين لاعتبارات ضغطت عليه إلى الحد الذي جعلته يقدم استقالته السياسية تاركا الساحة للذين صفقوا لموقفه باعتباره موقفا شجاعاً، في الوقت الذي يهللون لاستقالته لأنها أزاحت عن طريقهم رجلا كان سيقف ضد تراكم ثرواتهم من المال العام ورائحة الصفقات المشبوهة.ومثلما أن كل شيء ممكن في هذا البلد فان الموقف المطلوب من جعفر الصدر، هو التراجع عن استقالته والوقوف إلى جنب الجماهير التي تخرج يومياً معلنة عن رفضها للواقع الذي أوصلتنا إليه طغمة من الفاسدين والسياسيين الفاشلين ومسؤولي الصدفة.الموقف المطلوب هو تمزيق ورقة الاستقالة والعودة إلى حضن الشارع وصوته الحقيقي من بسطاء الناس وفقرائهم، العودة إلى أصوات المثقفين والإعلاميين الوطنيين الذين يخوضون صراعاً مشرفاً ضد قوى الظلام والتخلف والرجعية، العودة إلى أحضان مجلس النواب وإعلاء الصوت مع بقية الذين يهمهم مستقبل العراق القادم، وإنقاذ البلاد من خطر الانهيار.لا تستقل يا جعفر الصدر.. فالوطن بحاجة إلى أمثالك الآن.
كتابة على الحيطان: لا تستقل يا جعفر الصدر؟

نشر في: 20 فبراير, 2011: 08:24 م







