ثلاثون ثانية فقط هو الوقت الذي استغرقه خطاب تنحي حسني مبارك الذي رضخ فيه لمطالب أساسية ظل الشعب يطالب بها سنوات، والسبب أن هذا الشعب نفسه نزل إلى الشارع لمدة ثمانية عشر يوما وبعدها بدقائق كان الرئيس يهرب إلى شرم الشيخ. ويبدأ نظامه السياسي الذي بناه على مدى ثلاثين عاما في الانهيار مثل قصر من الرمال.من قبيل التكرار القول إن كل الأنظمة المستبدة تشترك في صفة واحدة لن تتغير، وهي الإصابة بالعمى عن رؤية الحقائق،
فقط ترى جزءا من الفاجعة في اللحظات الأخيرة، عندها يكون الأوان قد فات.. و الأمور خرجت من يدها الحكومات المستبدة تتعامل مع شعبها باعتباره قطيعا وفي أحسن الأحوال مجموعة من العبيد، أو خوارج كما فتح الله على احد نوابنا المحترمين أو مشاغبين بحاجة إلى تأديب على حد قول مولانا أحد المسؤولين، الشعوب تقاد لا تقود هكذا يفهم البعض الديمقراطية، نظرة متناقضة لمفهوم الشعب عند بعض الساسة تجعلني في حيرة من أمري فقبل الانتخابات صرح مسؤول عراقي بارز أن الشعب العراقي واع ولا يحتاج إلى وصاية وهو قادر على اختيار ممثليه، لكنه يعود اليوم ليقول لنا إن الشعب العراقي لا يستطيع قيادة نفسه وهو طيب ومسكين ومغرر به من جماعات لا تريد الاستقرار لهذا البلد، وحتما سيطلب منا هذا المسؤول الكبير أن نحمد الله على أن بعض الساسة قبلوا أن يحكمونا. هكذا تتغير بيانات المسؤولين حسب الطقس فهي يوم مشمسة مشرقة وأيام مغبرة وعاصفة، فقبل أيام وصف بعض المسؤولين متظاهري يوم 25 بأنهم عملاء ينفذون أجندات خارجية وبعدها بأيام فقط عندما أدرك السادة المسؤولين أن الاحتجاجات مستمرة، اعتذروا لهؤلاء العملاء وأصحاب الأجندات الخاصة وكادت الدموع تطفر من عيني الحكومة وهي تطلب من الجماهير إمهالها ولو عام واحد وستنفذ ما تقاعست عنه أعواما عدة،تذكرني بيانات الحكومة وتصريحات بعض المسؤولين بمقولة شهيرة للفيلسوف الفرنسي فولتير يقول فيها:" لو أن أي حاكم استجاب لمطالب شعبه العادلة ما أصبح مستبدا" الحاكم العادل يصلح من نفسه وحكمه أولا بأول. والذي يجعل الحاكم عادلا، ليست طيبة قلبه أو كلماته المنمقة بل وجود شعب حي لا يقبل الظلم، ثم إن أي مستبد لا يفكر في تغيير سياسته طالما الناس خائفون، لكنه يتنازل، بل ويبدأ بتقديم سلسلة من التنازلات إذا شعر بأن الشعب نزل إلى الشارع ويصر على مطالبه.بحت أصوات العراقيين سنوات يطالبون فيها بتطبيق أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل، وبأن يتوقف نهب أموال الدولة وبإنهاء هذا الاحتكار الخانق لمؤسسات الحكومة من قبل أحزاب معينة..بحت أصوات العراقيين، مطالبة بالكف عن هذا المخطط الشيطاني لتحويل العراق إلى دولة من العصور الوسطى، و بأن يمتنع المسؤولون عن معاملة البلد كإقطاعية خاصة بهم، يستخدمون إيراداته لتمويل حملاتهم الانتخابية ومشاريعهم الشخصية، بحت الأصوات مطالبة بأن يعاقب بالعزل رؤساء بعض مجالس المحافظات لأنهم استخدموا مواهبهم في التهريج والرقص على كل الحبال. تكررت هذه المطالبات وأمثالها سنوات، فكان الرد الوحيد هو مزيد من الصلف والغطرسة والإمعان في الإثم، الفجوة في المعيشة تزداد، والبطالة تنتشر، والانتهازية أصبحت شعارا سائدا ومروجو التزوير والرشوة أصبحوا في مقدمة المشهد، والفاشلون يعاد تعيينهم بأموال طائلة.لا نريد أن ننشغل كثيرا بآراء ممثلي الحكومة، فقط أريد منهم أن ينزوا هذه الأيام في ركن قصي، أو يختفوا تماما من المشهد يوم التظاهرات، ليس مطلوبا منهم الكلام، لأنه يذكر الناس بكوارثهم ومصائبهم.يحسنون صنعا إذا صمتوا، أما إذا أرادوا الكلام فليتهم يخبرونا عن مكان المليارات التي تم نهبها من أموال الناس، وكيفية سرقة ثروات الدولة، إذا أرادوا التطهر فليقولوا لنا من الذي ساعدهم، ومن هي الخلايا النائمة التي مكنت البعض من ممارسة أكبر عملية نهب منظمة في تاريخ العراق تكلموا عن ذلك فقط.. أو ابتعدوا ودعونا نخرج للتظاهر.
العمود الثامن :اصمتوا.. دعونا نخرج للتظاهر

نشر في: 22 فبراير, 2011: 09:44 م







