TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: شعبوية الحكم وجوهر الثقافة

قناطر: شعبوية الحكم وجوهر الثقافة

نشر في: 21 مايو, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

نقابياً، لا تشبه المجموعة المثقفة(شعراء، كتاب، فنانون..)أيَّ مجموعة نقابية أخرى، فهي لا تشترط على المتقدم للإنتماء لها حصوله على شهادة جامعية مثلاً، كما هو الحال في نقابة الأطباء والمهندسين والمحامين والاقتصاديين وغيرهم، لذا كان الانتماء لها يسيراً؛ لا يستدعي أكثر من تقديم كتاب مطبوع، في الشعر أو الرواية، أغنية، لوحة فنية، قطعة موسيقية، عمل مسرحي، فيلم سينمائي... الخ وهنا يكمن الخلل في القبول والرفض، بعيداً عن القيمة الفنية والاهمية الثقافية، بما ينتج عن ذلك من زيادة مهولة في عدد الأعضاء، الأمر الذي جرى وما زال يجري بحسب الاهواء، والميول السياسية ، والحاجة الى الأصوات الانتخابية.
يحقُّ للطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم الانتساب الى أيِّ نقابة، أو إتحاد، أو جمعية في الثقافة، ضمن الشروط تلك، فيما لا يحق لأيٍّ كان من خارج حقول الطب والهندسة والمحاماة وو الانتساب لهم، فهم جماعات ودوائر محكمة ومغلقة، فيما أبواب الثقافة مشرعة للجميع، غير موصودة بوجه أحد، وهكذا اتسعت رقعة الثقافة عددياً، على حساب الجدة والفاعلية والاهمية والحضور المؤثر. هذه(الديمقراطية) أو فسحة القبول جعلت من الثقافة منزلة دنيا في الحياة، لأنها منحت الكثير من أنصاف المثقفين، والطارئين، والنفعيين، والموهومين ثقافياً حقَّ الوصول الى هيئاتها التنظيمية والقيادية العليا، وبذلك خسرت الثقافة جوهرها، وأحقيتها في تمثيل وتوجيه المجتمع، بوصفها النتاج الطبيعي لكلِّ نظام حقيقي، رأس ماله المعرفة والتحضر.
مؤسفٌ ألّا يُنظر للأديب والمثقف بعامة إلا بعين الحاجة، والعطف، والتطبيب، والتشييع الرسمي. لا يدخلُ إحتفاءُ المؤسسات به (ميتاً) في قاعدة الاخلاق، أبداً، هذه ممارسات لا تنتمي الى الثقافة بشيء، وهي عواطف زائفة، إن لم تكن من أسوأ ما يقدّم له. كان تولستوي ضابطاً في الجيش القيصري، كثير الحروب آنذاك، لذا، تم استقدامه من الخطوط الامامية الى المدينة قبل أن يكتب رائعته(الحرب والسلام). تكريم الثقافة لا يعني أن تمنح المثقف 848 ألف دينار نهاية كل سنة! تكريم الثقافة هو جعلها بمتناول الناس، وتقديمها على باقي الترهات، والتفاهات التي تعبث بروح المجتمع، تحت غطاء السياسة والدين والطوائف والمذاهب. ترهل الجمعيات والاتحادات والنقابات الثقافية ووجود الطارئين على رأسها جعل الثقافة في اسفل سلّم أولويات الدولة العراقية.
تتخلف المجتمعات، وتسوء أحوال المدن، ويخرّب الاقتصاد، ويشيع الفساد، ويحدث أكثر من هذا وذاك في أيِّ بلاد إذا أُبعدَ المثقف عن المشاركة في رسم خطط وفكر الدولة، ويحدث الانهيار، والنهايات السيئة المحتومة إذا اقتفت الدولة آثار الفاعلين الشعبويين، وعملت على وفق مشيئتهم. ما يحدث لحياتنا من تخريب وعلى الصعد كلها، ممثلاً في توقف عجلة النمو، وتراجع في الخدمات، وتخريب في الاقتصاد نتيجة حتمية ليقين القاعدة العريضة من الناس بأنَّ ما يحدث لبلادنا إنما هو حاصلٌ بمشيئة فوقية لا أكثر، أو أنَّها عقوبات سماوية، نستحقها بسبب ابتعادنا عن هذه وتلك من العبادات والمعاملات، وهذا ما يسوّق له أدعياءُ التدين. الثقافة الحقة هي التي تقف بوجه هذا الاعتقاد، والمثقف الحقيقي هو الذي يؤشر ذلك، ويتصدى له، ويدعو لتغيير السياسات الشعبوية الحاكمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram