حازم مبيضين لا شك أن العقيد الليبي معمر القذافي مقتنع حتى هذه اللحظة أن العناية الإلهية اختارته ليكون قيصر ليبيا مهما طال به العمر, وأنه مفوض بحكمها حتى بعد انقضاء أجله من خلال توريثه حكم الجماهيرية لواحد من أولاده الذين يتنافسون اليوم بضراوة على موقع ولي العهد, وإذا كان الفتى سيف أكثرهم حضوراً في وسائل الإعلام, فان ذلك لا يعني أنه أقواهم,
ولو سارت الأمور بغير ما هو الحال الآن, لكنا تفاجأنا بوريثه, الذي يجب أن يكون على رأس قوة عسكرية نضمن له السيطرة على أوضاع " أشقائه " ولجم طموحاتهم في حكم النظام العجيب المسمى الجماهيرية التي لم تكن في يوم من الأيام أكثر من شعار يخلو من أية مضامين وهدفه الوحيد ضمان السيطرة المستمرة للعقيد على السلطة والثورة, والعبث بهما بما يتهيأ للرجل حين يضطجع في خيمته محاطاً بحراساته النسائية.القذافي الذي يتوقع تدخلاً خارجياً يطيحه ويخلص منه البلاد والعباد يبدي تصميماً محموماً على البقاء رئيساً مدى الحياة, وتشبثاً غير مفهوم بالسلطة التي اغتصبها ذات انقلاب قبل أكثر من أربعين عاماً, وتلته انقلابات متعددة استهدفت رفاقه في الانقلاب, ويبدو أنه ما زال يعول على دعم قبيلته التي تقول الأنباء إن العديد من أفرادها انقلبوا عليه وتخلوا عنه, وآخر ما يفكر فيه هو اللجوء إلى قبيلته في سبها أو سرت, لكنه يتجاهل أن الجماهير الليبية لن تمنحه هذه الفرصة كما أن المجتمع الدولي لن يمكنه من إلقاء شوكة في خاصرة بلد غني بالنفط والغاز, إضافة إلى أن الأوروبيين يعتبرون استقرار ليبيا مهماً لأنه جزء مهم من الاستقرار الاوروبي, وإذا أدركنا أن أوروبا غير قادرة ولا مستعدة للاستغناء عن النفط الليبي بجودته العالية, وأن العالم لا يستطيع الصبر طويلاً على الأوضاع الراهنة في ليبيا نظراً لموقعها الجغرافي المتميز وثرواتها الطبيعية, وتأثيرها في ما حولها من الأقطار, فاننا ندرك سر مراهنة العقيد على تفريغ الثورة من مضمونها, بتطويل فترة الفوضى والتهديد بما هو أسوأ.النهاية الحتمية للعقيد ونظامه الجماهيري العجيب قادمة طال الزمن أو قصر, والتحول في وطن عمر المختار يدق الابواب, لكن السؤال اليوم عن الامكانات الواجب توفرها لإعادة بناء بلد ظل حاكمه طوال أربعين عاما يمعن في تدميره, ابتداءً بقواته المسلحة ومروراً بكل ما له علاقة بالاقتصاد والتعليم والتنمية والصحة العامة والزراعة وانتهاءً بكل مؤسسات الدولة, وانصب اهتمامه على تقوية أجهزة الأمن, والتحكم بموارد البلد الهائلة لينفق منها على الاتباع والمحاسيب, وكان يستمد قوته من سيطرته على كل فلس ناجم عن بيع النفط والغاز. لينفق منها فيعز من يشاء ويحاول أن يذل من يشاء, غير أن الانتفاضة الراهنة تؤكد أن الشعب الليبي عصي على الإذلال والرضوخ.القذافي المناور ببراعة خصوصاً بين القوى المحلية في ليبيا حاول نقل مناوراته إلى العالم من حوله وكانت فلسطين ضحيته الاولى وكان الفلسطينيون العاملون في الجماهيرية أدوات المناورات البغيضة, ومد أصابعه إلى لبنان ليختطف الإمام موسى الصدر وخاض حرباً مع تشاد وتدخل في الشأن الداخلي للسودان ومول محاولة انقلاب عسكري فاشلة في الأردن, ووقف مع النظام الايراني في حربه مع العراق لكنه عاد ليدافع عن صدام حسين, وحاول بناء إمبراطورية إعلامية للدفاع عما تصوره منجزات لكن إعلامه فشل بجدارة لأنه لم يجد ما يدافع عنه فلجأ للصراخ المقيت والمرفوض عند كل عاقل, وسعى لإنشاء أحزاب تتبع نظرياته البائسة في كتيبه الأخضر, وها هو اليوم يكتشف أنه بات عارياً أمام إعلام الحقيقة, وأن كل إعلامه البائس لن يغني عنه شيئا.القذافي المتقلب ورغم كل محاولاته تغطية الفشل المتتابع في كل سياساته, بإنفاق ملايين الدولارات من أموال الشعب الليبي المحروم, لم يجد في النهاية غير القمع والبطش والإفراط في استخدام القوة ضد أبناء شعبه بعد أن وصفهم بالكلاب والجرذان والمهلوسين, وبعد أن كان يظن أنه دمر النسيج الاجتماعي للمجتمع, ودمر كل أسس الاقتصاد, ووجه كل اهتماماته لكل شيء عدا أوضاع شعبه المحتاج لتحسين أوضاعه, ولعله كان يخطط لإبقاء مواطنيه فقراء ومتخلفين ليضمن استمراره في حكمهم, وصولاً إلى دفع أبنائه للتنافس على خلافته لضمان تفرقهم ولجوء كل واحد منهم إليه ليستمد منه القوة, ولعله لم يفهم حتى اليوم معنى تخلصه من العقوبات الدولية, بعد تسوية قضية لوكربي، وتخليه عن اسلحة الدمار الشامل. ولم يفهم حتى اليوم أن الاصلاحات, والاهتمام برفاهية الناس كانت وحدها كفيلة بإنقاذ نظامه, وهو يبدو غير راغب بادراك أن ساعة التغيير الحتمي قد دقت وأن عقاربها لا تعود إلى الوراء.
فـي الحدث :القذافي وحتمية التغيير

نشر في: 26 فبراير, 2011: 06:19 م







