TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > متى يصبح العراق أولاً؟

متى يصبح العراق أولاً؟

نشر في: 5 يونيو, 2025: 12:02 ص

عصام الياسري

كلما تظهر على السطح ملفات السيادة الوطنية العراقية للنقاش، من خور عبد الله جنوبا إلى آبار النفط على حدود إيران شرقا، يجد العراقي نفسه أمام مشهد يتكرر بتفاصيله الموجعة: تنازلات تمرر بصمت وصفقات وإتفاقيات ومعاهدات تبرم خلف الأبواب المغلقة وحقوق وطنية يفرط بها فئات منفذة وكأن العراق بلا شعب، وبلا تاريخ، وبلا ذاكرة.
وبالعودة إلى خور عبد الله: فإن تحول من بوابة إلى عبء سياسي؟، فهو ليس مجرد ممر مائي، بل رئة العراق البحرية، وشريان سيادي له أبعاده الاستراتيجية والاقتصادية. ومع ذلك، نجد كيف تمرر صفقات ومساومات تفقد العراق حق السيطرة الفعلية عليه. في المقابل، الموقف الكويتي واضحا: دفاع شرس لتحقيق السيطرة عليه، توظيف للغطاء القانوني، تعبئة للرأي العام والدولي. وهذا من حقهم. إنما السؤال الجوهري الأهم: لماذا لا نجد ذات الحماسة من الجانب العراقي؟ وأين الصوت الرسمي؟ أين الجهد القانوني؟ أين الضغط الشعبي؟ فهل بات العراق الحلقة الأضعف حتى في قضاياه المصيرية؟
ففيما الكويت في مسألة الخور واستباحة أرض العراق وثرواته جنوبا في ظل صمت داخلي وإقليمي أكثر إيلاما وإصراره في ظل تمحيص دقيق ومتابعة شعبية وبرلمانية صارمة على عدم التنازل عن مصالحه أو المساومة على حساب أمنه القومي. مهددا بكشف المرتشين العراقيين الذين قاموا بالتنازل عن حقوق العراق، أراضيه ومياهه البحرية، مقابل أموال طائلة... هناك في الشرق، على الحدود مع إيران آبار نفط تستنزف بلا محاسبة. تستخرج منها كميات ضخمة من النفط دون وجود اتفاقات واضحة تحفظ الحقوق العراقية. إيران، كأي دولة تبحث عن مصالحها، تحصن نفسها قانونيا واقتصاديا وعسكريا ولا تسمح لأحد بأن يمس سيادتها أو يقترب من حدودها دون رد واضح. أما العراق المرتبط بحدود شاسعة مع الجارتين، سهل المقايضة والمجاملات السياسية، والأخطر، غائب عن قرار الدفاع عن مصالحه وعن الرؤية الاستراتيجية وسيادته قابلة للابتزاز دن عقابا أو مساءلة...
السؤال المؤلم: لماذا لا يحرص الساسة العراقيون على وطنهم كما يحرص الكويتيون أو الإيرانيون على بلدانهم؟
فهل هي لحظة غياب الإرادة أم غياب الولاء؟، كلاهما، بسبب فقدان القوى السياسية في العراق بوصلتها الوطنية وتحكم أصحاب الولاءات العابرة للحدود بالقرار العراقي؟. فمن غير المعقول أن يدار العراق بمنطق الأهواء الشخصية والتسويات المزاجية، لا بمنطق القانون والمبادئ العامة للدولة. ومن غير المعقول أن تترك قضايا مهمة مثل خور عبدا لله والمساحات الحدودية من الأراضي والآبار والمياه الواسعة عرضة للابتزاز والاستغلال دون مسائلة أو عقاب. فيما حقوق العراق البحرية، والنفطية، والمائية، يترك مصيرها بيد شخصيات لا تؤمن أصلا بمفهوم الدولة العراقية وحدودها الجغرافية!.
وعلى قدر المسؤولية الوطنية، لا بد من أن نذكر، بأن العراق ليس تركة توزع ولا حقل لتجارب من دخلوا السياسة من أبوابها الخلفية. العراق في عرف القانون الدولي والمفهوم التاريخي، جيوديموغافيا، دولة ذات سيادة، وحقوقه غير قابلة للتنازل أو النسيان. وكل مسؤول، أيا كان موقعه، سيسأل التاريخ والشعب عما فرط فيه وكم قبض مقابل التنازل عن حقوق العراق الوطنية ومصالح مواطنيه...
الذي يقلق العراقيين، ليس، كيف يفرط بعض المسؤولين والساسة في العراق بمصالح بلدهم فحسب، أنما كيف يتصرفون وكأن العراق بلا شعب، وبلا ذاكرة، وبلا كرامة وطنية وتاريخ. مما جعل من السهل لهذا الوطن أن يستباح في وضح النهار من قبل القريب والبعيد، وبمساومة وأيد داخلية قبل أن تكون خارجية؟
في الجنوب، تمنح السيادة على خور عبد الله للكويت، ذلك الشريان البحري الحيوي الذي يمثل رئة العراق إلى البحر بموجب قرارات مجحفة ومذلة. يسلم دون رأي الشعب، ودون نقاش علني، ودون مراعاة لتضحيات أجيال قاتلت من أجل السيادة. وعلى مقربة من مدنه المتجاورة تهدر ثروات النفط العراقي من الآبار المشتركة، تستخرج وتنقل بلا إتفاق ولا رقيب وكأننا بلد لا يملك صوتا ولا سيادة.
وفي الشرق، تتكرر المأساة. تمنح الأراضي، وتهمش الحدود، وتترك آبار النفط الحدودية لإيران دون اتفاقات تحفظ حق العراق. ويسمح بتغيير معالم الأرض، وتحريك الحدود، وكأن دماء العراقيين التي سالت في الحروب لم تكن سوى أرقام. أي منطق هذا الذي يسمح بانحناء الدولة، وتراجعها، وتنازلها، في كل اتجاه دون مساءلة دستورية وقانونية؟
لا نعرف، لماذا هذا الصمت الرسمي؟ ولماذا تدار ملفات السيادة بصيغة الولاء الإقليمي وليس من منظور وطني؟ هل باتت الكراسي أثمن من تربة الوطن؟ هل مهمة العلاقات مع هذه الدولة أو تلك مبنية على أساس الإبتزاز والمساومات، على حساب حقوق العراق ومواطنيه، هي الأهم؟ إن التفريط بخور عبد الله، والتنازل عن الأراضي والآبار النفطية، سواء للكويت أو لإيران، لا يمكن تبريره بأي حساب سياسي أو دبلوماسي لأن السيادة الوطنية لا تقايض، والثروات لا تساوم، والوطن لا يباع.
في لحظة من لحظات التأمل المؤلم في واقع العراق السياسي، ينبغي، على أصحاب السلطة في العراق أن يدركوا بأن العراق ليس ملكا يتصرفون فيه كما يشاؤون، بل هو أمانة مؤقتة في أعناقهم، ليس إلا!. وسيأتي يوم تفتح فيه ملفات التفريط بالحقوق والمصالح الوطنية، وتسأل فيه الضمائر أن وجدت.
إن ما يحتاجه العراق اليوم هو إرادة سياسية وطنية، وإعلام مهني حر ونزيه، وقضاء مستقل، وشعب لا يقرع أبوابه الصمت. لأنه إن لم يدافع العراقي عن بلده، فلن يفعلها أحد بالنيابة عنه. فالوطن لا يدار بمنطق "إلا أبالية" أو المجاملات السياسية، ولا بالمساومات لمصلحة أطراف خارجية حتى وإن كانت عربية، إنما بمبدإ العقيدة والكرامة الوطنية والإرادة الشعبية...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram