يوسف المحمداويفتحت عيني على الدنيا وأنا أرى أمي متشحة بالسواد، وغادرت إلى مثواها الأخير رحمها الله، ولم أر ثوباً من ثيابها يخترق سلطة إدمانها على اللون الأسود، وليس بمستغرب على أمهات الحزن، أن يسلكن هذا الدرب بعد أن وجدن أنفسهن في وطن لا يهبهن غير البكاء على ماض مدقع الحرية، وواقع مترف بالاضطهاد، ومستقبل متخم بما سلف.منتشرات ببقاع هذه الأرض كرايات بني العباس، مرددات بالصمت ما قالته سابقتهن بالنواح الخنساء حين قالت:
ولولا كثرة الباكين حولي على أحبابهم لقتلت نفسيولم تنحصر تهم اللون الأسود بالموت فقط، بعد أن وصم ممثلا للحزن وسوء الحظ والعمل والنوايا، ونال ما نال من تعسف الشرائع والقوانين على مدى التأريخ الإنساني، والمصيبة أن كل ما دونته البشرية من تأريخ حضاراتها واستكشافاتها قد سجل بالحبر الأسود، كتبنا بحديثها وقديمها وبتنوعها خطت بمحبرته.كم مسكين هذا اللون أرغموه أن يكون يافطة للنعي، متناسين أن الكفن ابيض والكافور ابيض، وليس للأسود من سلطان على الموتى من رحلة التابوت حتى القبر، قد يتصور البعض وأنا أشد عنان الدفاع عنه، أن لون بشرتي اسود، يا الله ...كم كنت أتمنى ذلك،لأحظى على الأقل بحظوة أصحاب هذه البشرة في باريس عند الشقراوات، أو لأكون من ذرية أول من اعتلى الكعبة مؤذنا سيدنا بلال، أو مذكرا من ملأ شعره الشيب بأيام الصبا.لكن الله عز وجل أنصف هذا اللون بعد أن جعله متسلطنا في لون كعبته وحجرها وردائها، وجعله مناصفا لشقيقه الأبيض في يومنا ليكون الليل دار استراحتنا وسهراتنا، ولكن لحظر التجوال وكامل الزيدي أحكاما حرمته من مريديه، وكذلك ذكره الشعراء خيرا و من المنصفين له ربيعة بن عامر الملقب بـ "مسكين الدرامي"حين وجد صاحبه التاجر وقد بارت بضاعته من الخمار الأسود ولم يجد من يشتريها حتى قال:قل للمليحة بالخمار الأسود ماذا فعلت بناســــــك متعبد وبعد إنشاده للقصيدة خرجت نساء المدينة تطلب الخمار حتى نفذت بضاعة صاحبه. وإذا كان شاعرنا صفي الدين الحلي جعل منه لونا لوقائعه حين قال "سود وقائعنا" في بيته الشعري الذي ترجم ليصبح علما للعراق، فهذا لا يمنعه أن يكون لونا للمسك والكحل، بل وتعدى ذلك ليكون سيد الألوان في عالم الأزياء، وما أجمله هذا الملعون! على جسدي "بريجيت باردو"، أو "مارلين مونرو" سابقا، وأنصفه الصينيون بعد أن جعلوه ندا للأبيض في رقعة الشطرنج.و علينا ألا نتجاهل الكثير من الأسماء السود، التي كانت لها بصمات واضحة في التأريخ الإنساني، وبالأخص في عالم السياسة.والمتابع، لا يمكن أن ينكر أو يتغافل عن دور أبناء المسك وتأثيرهم في الكثير من الأحداث، منذ بزوغ الحضارات، ومثال ذلك ثورة الزنج في البصرة، التي قامت ضد الاستعباد والمطالبة بالحرية والخلاص من الخلافة العباسية. ولكن المستغرب غيابهم عن المشهد السياسي في العراق، منذ التغيير إلى الآن، لا وجود لهم في مجلس الحكم، ولا في الجمعية الوطنية، وليس لهم وجود في البرلمانين السابق والحالي، ولا من اثر في الحكومتين الانتقاليتين، واختفوا أيضا عن حكومتي المالكي.ذهبت إلى الدستور لعلي أجد مانعا لحضورهم ففشلت، بل على العكس وجدت فيه ما يعطي الجميع حق الترشح بعيدا عن اللون، فضلا عن الظروف المشجعة لهم، بعد أن غيرت أميركا جلدها ووهبت "أوباما" رغما على البيت الأبيض كرسي حكم العالم. فما الذي يمنعهم من أن يشاركوا ساستنا الجدد بالنعم التي وهبها لهم البرلمان، يقول أحد المفكرين الذي رفض ذكر أسمه: واهم من يقول ليس لهم تمثيل، لون بشرتهم اخذ حصته في ألوان العلم، وتحت قبة البرلمان هناك "عمائم سوداء" وعباءات سود" ونوايا سود" وقد يكون لهم نائب رابع لرئيس الجمهورية !، أو محافظ في موطنهم البصرة بعد استقالة شلتاغها، وفقا للاستحقاق الوطني،أو على الأقل مجاملة للعم أوباما.
كلام آخر: النائب الرابع

نشر في: 28 فبراير, 2011: 06:37 م







