كاظم الواسطيبحسب مفاهيم علم النفس ، إن توقع المرض أكثر خطورة من المرض نفسه ، حيث الهواجس ، والتوجسّّات ، والمخاوف ، تتعمّق في مواجهة آلام مرض ٍ لا نعرف طبيعة ما يكون عليه ، ولا احتمالات الخطر الناتج منه : التعايش مع شبح المرض .خطر هذا الأمر في ذهني بعد سماعي التصريحات الرسمية التي سبقت تظاهرات يوم الجمعة 25 شباط الجاري
في بغداد وبقيّة المحافظات . كانت تصريحات متوترة ، ارتسمت على وجوه قائليها بكثيرٍ من القلق ، والترويع ، خصوصا ما يتعلق منها بوجود قوى معادية للعملية السياسية – بعثيين صداميين وقاعدة – تخطط لاستغلال التظاهرات ، وتوظيفها لمآرب خبيثة ، لم يتم اطلاع المحتجين على الوسائل التي سيستخدمها هؤلاء خلل التظاهرات لكي يحققوا هذه المآرب . ولقد تم التعامل مع هذا التوقع – شبه الأكيد في المنظور الرسمي!! – بحزمة إجراءات أمنية ، وفتاوى دينية وعشائرية وضعت قيودا قاسية على التظاهرات ، بل والدعوة إلى منعها بذريعة ما سيسببه الأعداء من تخريبٍ ، وسفك للدماء في ساحات التظاهر . وتحققت بعض هذه القيود بقرار منع سير العجلات الذي حرم أعداداً كبيرة من المواطنين من المشاركة بحقهم الدستوري في التجمع والتظاهر .إن المواطنين المثقلة كواهلهم بتلالٍ من المطالب ، ونقص الحاجات المزمن ، وشظف العيش الذي رمّد عيونهم ، وملفّات الفساد والفاسدين التي تحولت إلى ظاهرة مستشرية ، ومستشرسة في مفاصل الدولة كافة ، والقيود الثقيلة التي يحاول البعض فرضها على الحريات الشخصية والعامة ، لم تثنهم مجرّد توقعات فيها جانب كبير من الوهم ، واستحضار الأشباح ، عن قطع عشرات الكيلومترات مشياً على الأقدام من أجل رفع أصواتهم الاحتجاجية عاليا ، ولكن بطريقة سلمية أشّرت ، حقا ، حالة من الرقي والنضج في وعي المواطن العراقي ، بالرغم من كل حالات الاحتقان والتهميش التي تعرّض لها طوال عقودٍ طويلة . كما أظهرت شعارات مطالبه ، وتوحّدها في معظم المحافظات باتجاه الإصلاح وتغيير واقع الناس الخدمي والمعيشي ، والشكل المتعدد الانتماءات للمحتجين ، الأرضية الحقيقية التي خرجت منها هذه التظاهرات ، وطابعها الوطني الخالص الذي يفنّد الارتياب ، والتوقعات المبالغ فيها حول خطوطٍ مائلة تخطط لحرفها عن مسارها الحقيقي ، الذي تحول إلى تمرين ناجح في درس الديمقراطية . ولكن ، للأسف الشديد ، لم تستطع المؤسسة الحكومية أن ترقى إلى مستوى سلامة، وسلمية هذا التمرين الديمقراطي ، وتعاملت معه بكثيرٍ من الشك والريبة نتيجة وهم التوقعات ، أو خشية تحوله – مثلما يجري الآن في بلدان عربية عديدة – إلى فعلٍ في تغيير النظام ، فأوعزت إلى الأجهزة الأمنية بالرد السلبي على المتظاهرين ، مما خلق حالة من الإرباك ، والانفعال ، أديا إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف المحتجين ، ورجال الأمن ، كان من الممكن تجاوزها بإيعاز آخر يغلّب التهدئة ، وضبط النفس . بل وصل التجاوز حد اعتقال مجموعة من الإعلاميين ، وتعريضهم للاهانة والضرب على يد قوة من واجبها حمايتهم ، واتاحت الفرصة لهم لنقل وتصوير هذه التظاهرة الوطنية المعبرّة عن حقوق ، وتطلعات العراقيين في بناء وطنهم على أسس العدالة والديمقراطية . وعلى الجميع ، الآن ، الانتباه إلى طريقة التعامل مع حركة الاحتجاجات القادمة عبر الاستفادة من دروس مظاهرات 25 شباط ، والتعاطي الايجابي معها بوصفها احتجاجات سلمية تهدف إلى إصلاح ما أصاب العمل الحكومي من عثرات في مجالات الخدمة ، وانتهاكات صارخة للحقوق والحريات .. وهذا هو ما يجعل خطوات الجميع واثقة من بعضها على طريق الديمقراطية المنشودة .
25 شباط تمرين في درس الديمقراطية

نشر في: 1 مارس, 2011: 09:47 م







