TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حين يستقيل الدستور.. أزمة المحكمة الاتحادية العليا في العراق

حين يستقيل الدستور.. أزمة المحكمة الاتحادية العليا في العراق

نشر في: 30 يونيو, 2025: 12:02 ص

د. اسامة شهاب حمد الجعفري

من الخطأ بمكان ان يكون السؤال عن ازمة استقالة قضاة المحكمة الاتحادية العليا هو: لماذا استقال القضاة؟ وانما يجب ان يكون السؤال هو: ماذا تعني استقالتهم؟ جوهر واجب المحكمة الاتحادية العليا هو في قول ماهو الدستور, فهي مرة تقوله عند تفسيره, ومرة تقوله عند النزاع بين السلطات الاتحادية, وتارة تقوله في النزاع بين المجتمع والسلطات الاتحادية عند تشريع قانون يتعارض وقيم الدستور فيما يتعلق بحقوق المجتمع وحرياته.
على ايدي (9 قضاة) يتوقف دائماً السلام والازدهار وحتى وجود العراق كدولة اتحادية, وبدونهم فان الدستور عبارة عن انجاز ميت, فاليهم تتوجه السلطة التنفيذية لمقاومة تعديات السلطة التشريعية التي بدورها تتوجه اليهم لتدافع عن نفسها في وجه مشاريع السلطة التنفيذية, واليهم يتوجه الاتحاد لالزام الاقاليم والمحافظات, والاقاليم للحد من الادعاءات المبالغ فيها من الاتحاد, والمصلحة العامة لمواجهة المصلحة الخاصة, والروح المحافظة في وجه عدم الاستقرار الديمقراطي. واستقالة قضاة المحكمة الاتحادية العليا تعني ان كل هذه الادوار الدستورية الخطيرة غير موجودة او خارج اسوار الحياد مابعد استقالة القضاة, لذا لا يمكن ان نتعامل مع استقالة القضاة على انه امر شخصي او اداري وونستغرق في الحديث عن التقنية القانونية التي بها يُستبدلون بقضاة جدد, خاصة ان هذه الاستقالات كانت جماعية ورافقها نداء من هذه المحكمة للسلطات الاخرى لضرورة عقد اجتماع تداولي لطرح ما يجب طرحه والذي لم يلقى اذن صاغية من السلطة التشريعية, فليس بالضرورة انهم عجزوا عن اداء تلك المهام وانما قد تكون رسالة احتجاج صامتة لكنها مدوية في معناها, تقول هذه الرسالة: لم نعد قادرين على حماية الدستور داخل هذه مؤسسة وعملنا بات مهدد بعدم الحيادية, استقالة القضاة لم يعد مجرد استقالة عن وظيفة انما هو انسحاب رمزي من مشهد لم يعد يسمح للقاضي ان يكون حكماً حيادياً بين السلطة والدستور. لم يعقدوا مؤتمراً صحفياً لالقاء الخطب والكلمات, وانما قالوا كلمتهم وانصرفوا, قالوا كلمتهم للرأي العام للنخب للمجتمع الدولي. الرسالة ان المحكمة الاتحادية العليا في بيئة غير صالحة لتقول ماهو الدستور, وهذه البيئة خلقها الصراع السياسي من حولها ومحاولات المستمرة في التدخل في عملها لتحقيق رغبات الاطراف السياسية,
وهناك اسباب عديدة جعلت البيئة التي تعمل في ظلها المحكمة الاتحادية العليا تهدد الضمير القضائي وغير صالحة منها:
تآكل سلطة المحكمة الاتحادية العليا شيئاً فشيئاً عن طريق اعدام محكمة التمييز للعديد من قراراتها, ولم تعد قراراتها باتة ونهائية وانما قابلة للمراجعة واعادة النظر. واذا لم تكن قرارات المحكمة الاتحادية باتة ونهائية وملزمة للسلطات فما قيمتها الدستورية؟! وجدت هذه المحكمة لتكون قيمتها الدستورية بالزامية ونهائية قراراتها. وهذا ضعف كبير لدورهاالجوهري
تآكل المساحة التي تمارس المحكمة الاتحادية استقلالها بسبب التدخل السياسي المباشر وغير المباشر, فهذه المحكمة اصبحت موضع استقطاب السياسي نتيجة لدورها الحاسم في المشهد السياسي والادوار التي تتكفلها.
تآكل هيبة المحكمة الاتحادية العليا بسبب التجاذبات الاعلامية, واصبحت قراراتها موضع للجدل السياسي قبل ان تكون جدلاً قضائياً, وتعرض اعضائها للنقد الذي تجاوز عن حده, مما افقد المحكمة هيبتها الرمزية في النظام الدستوري العراقي.
لا فائدة من الحديث عن استبدال القضاة بقضاة جُدد اذا لم يتم اصلاح البيئة التي تعمل من خلالها هذه المؤسسة الدستورية والتي تمثل جوهرة النظام الدستوري العراقي, فقانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 قد بين السبيل الى ذلك, ولكن الاهم هو اصلاح بئية عمل هذه المحكمة لتؤدي ادوارها الخطيرة على اتم وجه وتكون سوراً للعراق كجمهورية اتحادية برلمانية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram