TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ماساة الاولويات: حينما تصنف الكرة قبل العلم في العراق

ماساة الاولويات: حينما تصنف الكرة قبل العلم في العراق

نشر في: 1 يوليو, 2025: 12:01 ص

محمد الربيعي

مقارنة مروعة تكشف عن حقيقة مرة: 250 مليون دولار تنفق على كرة القدم سنويا، مقابل لا شيء تقريبا للبحث العلمي. هذا ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على اولويات معكوسة تهدد مستقبل الوطن.
لقد غابت الجامعات العراقية بالكامل عن تصنيف "شنغهاي" لافضل 1000 جامعة عالميا، في حين احتلت ما لا يقل عن 22 جامعة من منطقة الخليج والشرق الاوسط مراتب متقدمة. ان هذا الغياب ليس محض صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات تقزّم من قيمة العلم والمعرفة.
ميزانيات هزيلة وفساد يكرس التخلف
لا يمكننا البحث عن تفسير آخر سوى الفساد المستشري الذي نخر جسد المؤسسات التعليمية، مقرونا بـشح مريع في الموارد وسوء الادارة المزمن. فبينما تخصص الدول الصاعدة ميزانيات ضخمة للتعليم العالي والبحث العلمي كرافعة للنهوض التنموي، يستنزف هذا القطاع في العراق بفعل شبكات المحسوبية والاحزاب السياسية، حيث تهدر الأموال في مشاريع هامشية او تعاد توجيهها بعيدا عن أهدافها الأصلية. فميزانية التعليم العالي في تركيا، على سبيل المثال، تزيد بنحو 4 اضعاف نظيرتها العراقية، ولا توجد عندها ميزانية حكومية مخصصة لكرة القدم. الفرق يكمن ليس فقط في توافر الموارد، بل في اليات الحوكمة والرقابة التي تكبح الفساد وتوجه الانفاق نحو مراكز التميز والمعرفة. اما في العراق، فالمخصصات الضئيلة التي ترصد للتعليم العالي، لا تنعكس على البنية التحتية ولا على جودة البحث العلمي، بل تتبخر بين تعيينات محاصصاتية وصفقات مشبوهة وعقود لا تخضع للشفافية. ان الفساد لا يلتهم الميزانيات فحسب، بل يحطم طموحات اجيال كاملة ويقوض الثقة بمستقبل التعليم الوطني.
الانفاق على التعليم العالي والبحث العلمي في العراق لا يتجاوز 0.5‌% من الناتج المحلي الاجمالي، وهو رقم يبعث على الخجل مقارنة بدول الجوار وحتى بعض الدول العربية. ولادراك حجم الكارثة، اليك مقارنة صادمة مع دول فهمت ان العلم هو اساس التقدم:
كوريا الجنوبية: 4.35‌% من ناتجها المحلي الاجمالي (92.25 مليار دولار).
اسرائيل: 4.4‌% (15.19 مليار دولار).
فنلندا: 3.50‌% (9.51 مليار دولار).
الولايات المتحدة: 2.84‌% (609.69 مليار دولار).
قطر: 2.5‌% (9.23 مليار دولار).
كرة القدم اولا... والعلم اخيرا
بينما تغدق الاموال على الاندية الرياضية والمنتخبات، تترك جامعاتنا تعاني من نقص حاد في التمويل. ان هذا التناقض الصارخ هو ما يبقي جامعاتنا حبيسة قائمة التخلف. حتى جامعة بغداد، التي تعتبر الافضل في العراق، لا تزال خارج قائمة افضل 1000 جامعة عالمية، وتحتل مراكز متأخرة في التصنيفات الاقليمية. هذا ليس نقصا في الكفاءات، بل هو اهمال متعمد للاستثمار في العقول.
اذا كان العراق يطمح الى استعادة مكانته العلمية التي تليق بتاريخه وتراثه الأكاديمي العريق، فأن ذلك يتطلب إعادة ترتيب الأولويات المالية بشكل جذري. لا يمكن تحقيق نهضة معرفية حقيقية في ظل استمرار استنزاف الموارد من قبل سراق الدولة في وقت تترك فيه الجامعات تُصارع العجز والتهالك.
ينبغي ان تتحول الميزانيات العامة، او جزء كبير منها، الى استثمارات مباشرة في البنية التحتية للتعليم والبحث العلمي كبناء وتحديث المختبرات وفق المعايير الدولية، وشراء المعدات والأجهزة الحديثة، وتوفير المواد واللوازم البحثية لمشاريع الدراسات العليا والبحوث التطبيقية، واطلاق برامج تمويل بحث علمي رصين وهادف، وانشاء حاضنات علمية وبيئة أكاديمية تحفز الابتكار .
والأهم من ذلك، لا بد من مكافحة الفساد المؤسساتي الذي يبدد كل محاولة اصلاح. فالأموال التي يتم تخصيصها للتعليم العالي يجب ان تصل الى الباحثين الحقيقيين او مشاريع التطوير البنيوي، والتأكد انها لن تختفي في متاهات العقود الوهمية او في جيوب الاحزاب السياسية.
ان منظومة التعليم العالي لا تحتاج إلى دعاية فارغة، بل الى تمويل فعال وشفاف ومستدام. العلم لا يزدهر في الظل، بل يحتاج الى بيئة داعمة وموارد كافية وارادة سياسية تعتبر الجامعات ركيزة للسيادة الوطنية والتنمية.
بدون هذه الخطوات الحاسمة، سيبقى التعليم العالي العراقي يدور في حلقة مفرغة من التخلف والتبعية العلمية، وسيبقى مستقبلنا رهينة لقرارات خاطئة تفضل الترفيه على التنوير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 6

  1. د. جمال الصافندي

    منذ 7 شهور

    نعم .. نشد على عظد كل من يروج لاعلاء كلمة العلم والمعروفة والخبرات في كل المجالات وخصوصا العلمية منها للإنتاج والتصميم والتصنيع. شكرا للأخ الدكتور على هذا الموضوع المهم.

  2. ماهر كبه

    منذ 7 شهور

    عزيزي دكتور محمد اولا مشتاقين واتمنى ان تكون على مايرام ! عزيزي العراق يعاني من مشاكل كلها سياسيه، الإعلام مسيس والكتاب وانت واحد منهم يطرحون المشاكل على حبل الغسيل ولكن لم يصلوا إلى مستوى الحلول ، المشكله الاساسيه بالعراق هي التركيبه السياسيه مع تحياتي

  3. د. عمر الجميلي

    منذ 7 شهور

    لا أعتقد المقارنة موفقة لكون ان عدد من البلدان التي تم الإشارة لها تنفق مليارات على كرة القدم أيضا. في كل الأحوال، كيف نطالب برفع شان البحث العلمي واساسا مجلس البحث العلمي الغي المطلوب إعادة أحياء المجلس، والتركيز على تمويل مشاريع بحثية تفيد المجتمع.

  4. مهندس مروان خوري

    منذ 7 شهور

    المردودات الفورية الناتجة عن مشاهدة المباريات الرياضيه المحليه، تعطي الدول الناميه دخلاً ملموساً وفورياً وتدفع بعجلة الاقتصاد. الدول المتقدمة تدرك قيمة البحث العلمي لان بالنهاية منتج ناجح او دواءً يباع لدول العالم وهم مازالوا يشاهدون المباريات المحليه.

  5. د.عبد الجليل البدري

    منذ 7 شهور

    استاذ محمد الربيعي ،مقالتكم تفضح تراجع قيمة العلم في العراق عبر مقارنة صادمة: إنفاق 250 مليون دولار على كرة القدم مقابل إهمال البحث العلمي. هذا الانحراف في الأولويات يهدد مستقبل وطننا المعرفي ويستدعي تغييراً جذرياً واني اساند هذا التغيرعلى اسس علمية .

  6. wwsfyalhwfy@gmail.com

    منذ 7 شهور

    امر طبيعي عندما يسلم الأمر الى غير اهله.

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram