TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: الخطر ليس في ساحة التحرير

العمود الثامن: الخطر ليس في ساحة التحرير

نشر في: 2 مارس, 2011: 07:23 م

علي حسينلا أعرف ماذا كان يضر الحكومة لو أنها تركت الناس  منذ البداية في ساحة التحرير يقدمون صورة رائعة لشباب متحضر؟ ماذا كان يضرهم لو أنهم تركوا الناس تتنفس واستفادوا من أجمل ما يملكون.. شبابا متحضرا خائفا على بلاده يسعى إلى حرية وديمقراطية حقيقية. ما الذي كان يضر الحكومة لو أنها قدمت نفسها للعالم كحكومة متحضرة
تحترم شعبها لا حكومة هراوات وغازات مسيلة للدموع ورصاص وقنابل.هل كان لا بد للدماء أن تسيل و للرؤوس أن تتهشم و للعظام أن تسحق  قبل أن تعود الحكومة وتقرر حق الناس في أن يعبروا عن آمالهم وأحلامهم سلمياً؟. هل كان يجب على 12 شابا أن يستشهدوا وان يجرح المئات ويهان الصحفيون في الشوارع  حتى تتعلم الحكومة درس التعامل  الحضاري مع شعبها.إن الذين خرجوا إلى ساحة التحرير لم يرفعوا شعارات طائفية، ولا سعوا إلى إسقاط النظام، ولا قدموا مطالب مستحيلة، ولم يفعلوا ما فعله الشعب في مصر و تونس عندما طالبوا برحيل النظام..كل ما طالبوا به هو إصلاحات سياسية لا تنتقص من قدر الحكومة ولا تنال من هيبتها، لكنها تجعل الناس تضعها في حدقات العيون إذا ما استجابت لمطالب شعبها وقررت أن تكون جزءا منهم.هل كثير على العراقيين بعد عقود من الدكتاتورية أن يحظوا بحكومة تعبر عنهم وتلبي مطالبهم المشروعة؟ هل كثير على العراقيين أن يحظوا ببرلمان يمارس دوره الرقابي الحقيقي ولا يكون جزءا من الحكومة.هل المطالبة بالحق في العمل الذي أقرته كل قوانين البشرية والحق في الفرص المتكافئة  والحق في سكن لائق والحق في مجتمع مدني والحق في ابسط الخدمات والحق في محاسبة الفاسدين وناهبي المال العام، أصبح نوعا من أنواع الشغب والتمرد يستحق المواجهة بالرصاص الحي ويستحق أن تجند الحكومة كل إمكاناتها وقواتها الأمنية من اجل الوقوف بوجه شباب مسالمين؟.إنني أشعر بالخجل حين اسمع مسؤولين يقولون إنهم لم يعرفوا شيئا عن اعتقال المتظاهرين وتعذيبهم، واشعر بالخجل حين اسمع أن الحكومة عجزت عن تعيين آلاف العاطلين وعينت بدلا منهم مخبرين يتجسسون على الشعب، كما اشعر بالأسى حين أرى الأجهزة الأمنية في العراق الجديد تستخدم نفس العبارات والأساليب المقيتة التي ابتدعتها أجهزة " القائد الضرورة " والتي كانت تعتبر الشعب العراقي بكل قطاعاته مجموعة من العملاء والمأجورين. ما الفرق بين خطب الصحاف المضحكة عن العلوج، وخطب بعض مسؤولينا الذين لم يتركوا وصفا مشينا إلا والصقوه بالمتظاهرين، ما الفرق بين القذافي حين أطلق عبارته الشهيرة  " جرذان ومقملين " وبين مسؤولين عراقيين  وصفوا المتظاهرين بالخوارج والشراذم المأجورة.من العجيب أن الحكومة  لجأت قبل يوم 25 شباط إلى إخافة  الناس وإثارة هواجسهم عندما زعمت  أن الشباب الذين خرجوا في ساحات الوطن سيحرقون البلاد، بل ذهب السيد المالكي ابعد من ذلك حين زعم أن البعثيين يتزعمون التظاهرات وأنهم يسعون إلى عودة البلاد لعهود الدكتاتورية البغيضة.إن استخدام أساليب أمن صدام  لتصنيف الناس هو أمر بالغ الخطورة. لقد كانت الناس تضحك عندما تسمع رئيس الوزراء يتحدث عن عودة نظام البعث وتربص التكفيريين وخطط القاعدة  لأن كل هذه المسميات لا مكان لها في ساحات العراق، فليت السادة المسؤولين يكفون عن خلط  الحقيقة بالتهريج!.كنت ولا زلت أحلم بيوم أرى فيه  الحكومة تستجيب لمطالب الناس قبل أن يطلبوها، واحلم بيوم يفهم فيه المسؤولون أن التفاهم والعدالة أقوى و أحفظ للأمن من قوات مكافحة الشغب والغازات المسيلة للدموع وطائرات الاباتشي، وان الاستجابة لمطالب الناس هي التي تحفظ النظام و ليس الحواجز الكونكريتية التي قطعت أوصال جسر الجمهورية.سلاماً على أرواح الشهداء الذين عطروا ساحات العراق  بدمائهم الزكية فغسلوا عنا عار التقاعس والبلادة واللامبالاة وكشفوا لنا زيف حكومة تعامل شعبها باعتباره مجموعة من (العلوج) يجب القضاء عليهم أو ترويضهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram