TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الضرائب في العراق: أداة جباية أم وسيلة لإعادة توزيع الدخل؟

الضرائب في العراق: أداة جباية أم وسيلة لإعادة توزيع الدخل؟

نشر في: 10 يوليو, 2025: 12:01 ص

د. سهام يوسف علي

تُعد الضرائب أحد أهم أدوات السياسة المالية في أي دولة، ووفق النظرية الاقتصادية الكينزية والنيوليبرالية على حد سواء، لا يُفترض أن تكون الضرائب مجرد مصدر لتمويل الإنفاق الحكومي، بل أداة فعالة لإعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوجيه السلوك الاقتصادي. لكن، هل هذا ما يحدث في العراق سنة 2025؟ الواقع يشير إلى صورة مغايرة، حيث بات المواطن العراقي يشعر أن الضرائب والرسوم المفروضة عليه أصبحت عبئًا، وليست وسيلة لتنمية اقتصاده أو تحسين خدماته.
تتعدد أهداف الضرائب، منها تمويل الإنفاق العام كالأمن والتعليم والصحة والبنى التحتية، وإعادة توزيع الدخل من خلال فرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء واستخدام العوائد لتمويل برامج دعم للفقراء، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي بتخفيف التضخم أو تنشيط الاقتصاد حسب الحالة، وتصحيح الفشل السوقي كفرض ضرائب على التلوث أو السلع الضارة. إلا أن هذه المبادئ غالبًا ما تفقد تأثيرها حين تتحول الدولة إلى "دولة جباية" لا "دولة خدمة".
في عام 2025، اتخذت الحكومة العراقية سلسلة من الإجراءات المالية رفعت من معدلات الجباية على المواطنين دون أن تقابلها خدمات ملموسة أو إعادة توزيع للدخل. من أبرز هذه الإجراءات زيادة رسوم الخدمات الأساسية مثل إضافة مبلغ ثابت قدره 2,000 دينار على فواتير الماء والكهرباء تحت بند "أجور خدمة إدارية"، وفرض رسوم صحية تتراوح بين 5,000 إلى 15,000 دينار على مرافقي المرضى في المستشفيات الحكومية، بالإضافة إلى ارتفاع الرسوم القضائية والإدارية لإصدار الوثائق الرسمية من 1,000 إلى ما بين 10,000 و20,000 دينار.
أما على صعيد الضرائب المباشرة، فهناك ضعف واضح في فرض الضرائب التصاعدية على الدخل والثروة، حيث لا تُفرض ضرائب فعالة على الأرباح العالية أو الأملاك الكبيرة أو الميراث. النظام العراقي يعتمد على نسبة موحدة تقريبًا (15%) على الرواتب التي تتجاوز حدًا معينًا، دون تطبيق نظام الشرائح المتدرج كما هو معمول به في الأنظمة الضريبية التصاعدية في دول العالم، مما يجعل الطبقة الوسطى والفقيرة تتحمل العبء الضريبي الأكبر بينما تبقى الدخول الكبيرة خارج نطاق المساهمة العادلة.
هذا الوضع يخلق خللًا واضحًا في النظام الضريبي العراقي، فغياب العدالة الضريبية يجعل الفقراء يدفعون نفس الرسوم التي يدفعها الأغنياء، ولا توجد برامج دعم اجتماعي فعالة ممولة من هذه الضرائب، كما أن مردود الإنفاق العام ضعيف فلا يرى المواطن تحسينًا حقيقيًا في البنى التحتية أو الخدمات الصحية والتعليمية. ضعف الشفافية في آلية توزيع إيرادات الجباية يزيد من انعدام الثقة بين المواطن والدولة.
في المقابل، تعتمد الدول المتقدمة على عوائد الضرائب كأداة رئيسية لخدمة المجتمع، حيث تُستخدم هذه الموارد في تمويل خدمات عامة عالية الجودة مثل التعليم المجاني في الدول الاسكندنافية، والرعاية الصحية الشاملة في كندا والمملكة المتحدة، والبنية التحتية المتطورة في ألمانيا واليابان. كما تستثمر هذه الدول في برامج حماية اجتماعية فعالة، كالتأمين ضد البطالة والتقاعد في السويد والنرويج، مما يعزز من تقليل الفوارق الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة. هذا الاستخدام الأمثل للضرائب يخلق علاقة ثقة بين الدولة والمواطنين، حيث يشعر الأفراد أن مساهماتهم تُستثمر فعلاً في رفاههم وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لذا، يفترض، إقرار ضرائب تصاعدية على الدخل والثروة، وإلغاء الضرائب غير المباشرة على الخدمات الأساسية للفقراء، مع تحسين كفاءة الإنفاق العام لتقديم خدمات ملموسة تقنع المواطن بدفع الضرائب. كما يجب تعزيز شفافية الجباية من خلال نشر بيانات شهرية عن الإيرادات الضريبية وأوجه إنفاقها، وربط الرسوم بمستوى الدخل، كأن تكون رسوم الوثائق مجانية لمن يقل دخله عن خط الفقر.
في الختام، ما يحصل في العراق، هو انزلاق نحو فرض ضرائب جباية عشوائية لا نظام ضريبي عادل كما تنص عليه المبادئ الاقتصادية الحديثة. وإذا استمرت الحكومة في استخدام الضرائب كحل سهل لسد العجز دون رؤية شاملة لإعادة توزيع الدخل وتحفيز النمو، فإن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ستتفاقم في المدى المتوسط.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

صور| إقبال على المواد الغذائية استعدادًا للشهر الكريم في بغداد

بـ"مشاركة إسرائيل".. أكسيوس: إدارة ترمب تستعد لعمل عسكري ضد إيران!

أمريكا تنقل 50 طائرة للشرق الأوسط وإيران مستعدة لإغلاق هرمز!

أسواق بغداد تستقبل رمضان بزخم التسوق وقلق من ارتفاع الأسعار!

منع بث مسلسل "حمدية" على قناة MBC عراق

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

 علي حسين اربعة اعوام مضت منذ أن جلس السيد لطيف رشيد على كرسي رئاسة الجمهورية ، وخلال هذه المدة لم يعرف المواطن العراقي ما هي المسؤوليات التي يقوم بها الرئيس ، فهو يظهر...
علي حسين

قناطر: في تعظيم المال الحكومي

طالب عبد العزيز إذا كان الفدرالي الأمريكي هو المتحكم بأموال العراق من مبيعاته النفطية الى أمد غير معلوم فالبلاد بحكم المريض بالخنق، المحجوب عنه الهواء، وهذا المغذِّي المعلق عند سرير الحكومي قابل للسحب في...
طالب عبد العزيز

الملامح غير المنظورة في الشخصية العراقية

د. يوسف حمه صالح تُعدّ دراسة الشخصية الوطنية من أكثر الموضوعات تعقيداً وإشكالية في علم النفس الاجتماعي والثقافي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع مرّ بتحولات تاريخية عنيفة، وصدمات سياسية واجتماعية متراكمة، كما هو...
يوسف حمه صالح مصطفى

الاقتصاد العالمي: هل يُعتبر عام 2025 درسًا اقتصادياً صعباً ؟

لورينزو ديلبيش ترجمة :المدى التعريفات الجمركية، والتوترات الجيوسياسية، والحرب الاقتصادية... عبارات سمعناها مرارًا وتكرارًا في الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي طوال العام. في مواجهة سيل التحديات التي حملها عام 2025،وقد حان الوقت لتقييم النمو...
لورينزو ديلبيش
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram