TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > انتظار نحو المجهول: التوظيف الحكومي كأزمة بنيوية متفاقمة

انتظار نحو المجهول: التوظيف الحكومي كأزمة بنيوية متفاقمة

نشر في: 13 يوليو, 2025: 12:03 ص

محمود الدباغ

مقدمة
في العراق، لم تعد الوظيفة الحكومية مسارًا مهنيًا، بل تحولت إلى مهرب وجودي لأجيال ضائعة بين خيبة التعليم وتضخم سوق العمل. وفي بلدٍ لم يخرج من عباءة الاقتصاد الريعي، ولم ينجُ من قبضة الزبائنية السياسية، بات التوظيف الحكومي أشبه بحلقة مفرغة تتجدد مع كل دفعة خريجين، ومع كل دورة انتخابية. الأزمة ليست في البطالة فقط، بل في البنية والهيكلية التي تُنتج البطالة، وتعيد إنتاجها مرارًا بتكرار قاتل.
شهادات عليا... بلا علم ولا عمل
في العقد الأخير، توجه آلاف الطلاب العراقيين لاستكمال دراساتهم العليا في دول مثل لبنان، إيران، وتركيا، بحثًا عن "شهادة تُعينهم على التوظيف" أكثر من كونها رصيدًا أكاديميًا بالمعنى الحقيقي.
وفقًا لدائرة البعثات والعلاقات الثقافية (وزارة التعليم العالي، 2023)، فإن أكثر من 12,000 طالب التحقوا ببرامج الماجستير والدكتوراه في دول الجوار بين 2018 و2023، كثير منها في جامعات لا تندرج ضمن أي تصنيف أكاديمي عالمي مثل QSأوTimes Higher Education.
ورغم هذا التوسع، لم تُراجع الوزارة قوائم اعتمادها أو تُخضعها لآليات رقابية رصينة. المفارقة أن دولًا مثل ألمانيا أو هولندا تشترط تصنيفات أكاديمية صارمة لقبول معادلة الشهادات، بينما يعتمد العراق على اتفاقيات سياسية أو ملفات قديمة بلا تحديث. النتيجة: شهادات "وظيفية" لا علمية، تُستخدم كجسر عبور للتعيين لا كأداة إنتاج مستدام.
خريجون خارج الخدمة
رغم ارتفاع نسبة الالتحاق بالتعليم العالي إلى 21.4% عام 2020 (اليونيسكو)، فإن نحو 27% من الخريجين العراقيين يقفون خارج سوق العمل (البنك الدولي، 2022). اللافت أن أقل من 18% فقط منهم يحصلون سنويًا على وظائف في القطاع الحكومي (وزارة التخطيط، 2023).
هذا الانفصال البنيوي والفجوة المتنامية بين التعليم وسوق العمل لا يُنتج فقط بطالة، بل يخلق أجيالًا تعمل في وظائف لا تمت لتخصصاتهم بصلة، أو تغادر البلاد إلى منافي الاغتراب بحثًا عن الفرص. في هذه المعادلة، باتت الشهادة الجامعية بطاقة انتظار ذات فترة صلاحية، وليست بطاقة عبور نحو مستقبل مهني.
القطاع العام: متضخم، مترهل، وغير منتج
يوظف القطاع العام في العراق أكثر من 4.5 مليون موظف، بما يشكل نحو 37% من إجمالي القوى العاملة، وهي من أعلى النسب عالميًا (وزارة التخطيط، 2023). للمقارنة، لا يتجاوز عدد موظفي الحكومة الفيدرالية الأمريكية 880,000، رغم عدد سكان يزيد عن 330 مليون نسمة (وزارة العمل الأميركية، 2023).
لكن هذا التضخم لم ينعكس على المنفعة أو الإنتاجية. على العكس، فإن الرواتب وحدها تستهلك 27.6% من الموازنة العامة سنويًا (وزارة المالية، 2023)، دون أي استراتيجية واضحة لإعادة الهيكلة أو تحسين الأداء الإداري للمؤسسات الحكومية، ودون أي تطور ملموس يواكب التقدم العالمي.
التوظيف السياسي: وظيفة مقابل الولاء
تحوّل التوظيف الحكومي إلى ركيزة للمقايضات السياسية. تُمنح الوظائف لا لحاجة المؤسسة أو الجهة المعنية، بل لحاجة الحزب أو المرشح إلى كسب الأصوات. ووفقًا لتقرير وزارة التخطيط (2022)، فإن 40% من التعيينات الحكومية بين 2018 و2021 جرت خارج الضوابط المهنية، عبر قرارات استثنائية أو تثبيت عقود مؤقتة بضغوط من جهات سياسية.
ومع اقتراب الانتخابات، تتكرس الممارسة التي تحوّلت فيها الوظيفة إلى "غنيمة" انتخابية للأفراد المستفيدين منها، أو كما يسميها البعض "رشوة مقنّعة" تُغلق بها الأفواه، وليست وسيلة لتطوير المؤسسات. ومن منظور آخر، هي سلطة الولاء على حساب الكفاءة، ومنظومة تكافئ الانتماء السياسي بدلًا من الكفاءة المهنية.
ثقافة الانتظار: من التعليم إلى الطابور
تُظهر بيانات وزارة التعليم العالي (2023) أن أكثر من 1.1 مليون طالب تخرجوا من الجامعات العراقية بين 2015 و2023، في حين لم تُستحدث سوى 198,000 وظيفة حكومية خلال الفترة ذاتها. ومع ذلك، لا تزال العائلات تدفع أبناءها نحو تخصصات "التوظيف الحكومي"، في ظل غياب الإرشاد المهني، وعدم تحديث السياسات التعليمية بطريقة تواكب سوق العمل أو تشجع على الدفع باتجاه القطاع الخاص لتحقيق التوازن الذي تلاشى منذ عقود.
وفي الوقت ذاته، يُنظر إلى القطاع الخاص بريبة شديدة: لا ضمان اجتماعي، لا استقرار، لا نقابات حقيقية، ولا قانون عمل يُطبق فعليًا أو يُنظّم الأجور. ووفقًا لاستطلاع مشترك بين GallupوUNDPعام 2022، فإن أقل من 12% من الشباب العراقي يثقون بالقطاع الخاص كمصدر آمن للعمل.
نحو كسر الحلقة المفرغة
أكثر من مليون شاب يدخلون سنويًا سوق العمل (الجهاز المركزي للإحصاء، 2023)، في ظل غياب مشروع وطني حقيقي لإيجاد المعالجات. فهي ليست أزمة عابرة، بل أزمة هيكلية مشوّهة تتغذى من هشاشة التعليم، وسوء التخطيط، وسلطة الولاء السياسي. لكن هذا لا يعني غياب معالجات واقعية. بل تبدأ بشطب الماضي وإعادة هيكلته، عبر إصلاح المنظومة التعليمية لتواكب سوق العمل بطريقة حقيقية وواقعية، وبتمكين القطاع الخاص عبر ركائز قانونية ومصرفية ترفع عنه تهمة "الاستغلال"، وبإعادة الاعتبار لمجلس الخدمة الاتحادي كجهة مستقلة وفاعلة لتحصين التوظيف من الابتزاز السياسي. وقبل كل شيء، يجب كسر الأسطورة المتوارثة التي تقول إن الدولة وحدها مسؤولة عن التوظيف، من خلال التأسيس لمرحلة جديدة من تنويع المفاصل الاقتصادية للبلاد.
إن استمرار هذه الحلقة المفرغة لا يهدد الحاضر فحسب، بل يرهن مستقبل أجيال قادمة يفترض بها ترميم البلاد. وكسرها يبدأ اليوم، لا بعد جولة انتخابية جديدة؛ فالدولة هي التي تحرر مواطنيها من حلم الوظيفة الحكومية، وهي التي تفتح أبواب المستقبل بالشراكة مع شبابها، لا بالنيابة عنهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. احمد هيثم احمد

    منذ 6 شهور

    الوضع في العراق خرج عن السيطرة و ما احمل الحكومه العراقيه كافه المسؤليه مثل ما احمل الشعب الداعم الى هذا المسخرة التي تحصل نحن في اسوء وقت نمر في لا عمل و خدمات لا ثقافه نحتاج تغيير جذري للشعب و شكرا على هذا المقاله اتمنا لك كل التقدير

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram