TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: سنتمتر واحد فقط

باليت المدى: سنتمتر واحد فقط

نشر في: 21 يوليو, 2025: 12:05 ص

 ستار كاووش

يقع مسبح مدينتي القديم في مكان رائع وجميل، حيث يقضي الكثير من الناس أوقاتهم هناك، ورغم انه جميل وكل مواصفاته رائعة، لكنه من الطراز القديم، لذا قررتْ البلدية بناء مسبح جديد يتلائم مع المتطلبات الحديثة التي يحتاجها الناس، كما يحدث مع الكثير من البنايات والمؤسسات وباقي متطلبات الحياة، وهكذا تم التحضير لإنشاء المسبح الجديد، وبدأوا بتنفيذ العمل الذي إستغرق سنتين وكلَّفَ الملايين، فكانت النتيجة مذهلة من كل الجوانب، وأصبح المكان مثل جوهرة تلتمع في شمال البلاد، حيث يحتوي -إضافة الى أحواض السباحة- على أماكن للترفيه واللعب وممارسة الهوايات والأنشطة العديدة مثل الغوص والتزحلق واللعب في أحواض الموجات المتحركة وغيرها من التفاصيل التي تناسب كل الأعمار.
الى هنا والعملية طبيعية، لكن قبل الإفتتاح الرسمي وأثناء معاينة المواصفات المذهلة للمسبح المدهش، إكتشفوا أن حوض السباحة الرئيسي أصغر بسنتيمتر واحد من الحجم المطلوب، وهنا تأجلَّ الافتتاح وتم هدم المسبح وإعادة بناءه من جديد. سنتمتر واحد فقط لا غير، لم يُنتَبَه له ربما بسبب نوع البلاط السميك الذي كُسيتْ به الجدران، أو بسبب خطأ صغير وغير مُتوقع في الحسابات، لكن في النهاية كان عليهم تغيير بناء المسبح من جديد ليتلائم مع المواصفات المطلوبة، لأن هذا المسبح ستقام عليه بعض المسابقات، لذا يجب الإلتزام بالكثير من المميزات. وهكذا بعد التعديل الجديد أصبح المسبح جاهزاً هذا الشهر لإستقبال كل من يرغب بالسباحة أو يحب قضاء بعض الوقت قرب الماء.
مازلتُ أفكر بذلك السنتمتر المسكين الذي بسببه تم إعادة البناء من جديد. وفي ذات الوقت أفكر أيضاً ببعض البلدان التي يتجاوز فيها الكثيرون على مساحات شاسعة من المال العام. وليس هذا فقط بل تُبنى في تلك الدول الكثير من المولات والمجمعات بطرق لا تراعي ضمان حياة الانسان ولا تتطابق مع مواصفات الأمان، وبأموال لا تعرف مصادرها ولا من أين جاءتْ!
هناك حدود معينة للخطأ، يجب عدم تجاوزها كي يتمكن الناس من حلها بيسر، وهذا يحدث في كل مكان من هذه المعمورة. وبالنسبة لمسبح المدينة فالمُحاسَبة القانونية لم تطله وحده، بل وصل الأمر الى شركة الباصات الجديدة التي تم الإتفاق معها فى عموم هولندا، والتي بدى عليها التقصير وعدم الالتزام بالتوقيتات الدقيقة، حيث كان الباص يتأخر ثلاث أو أربع دقائق، لذا تم تغريم شركة الباص مليون يورو في مقاطعة فريسلاند فقط، فيما تم تغريم ذات الشركة خمسة عشر مليوناً في جنوب هولندا لذات السبب. نعم على الشركة ان تعمل كل ما بوسعها كي يصل الباص فى وقته المحدد، فهو يهدر وقت الناس ويوصلهم بوقت متأخر لأماكن عملهم ودراستهم أو مواعيدهم المهمة.
القانون هو أساس تطور البلدان، حيث يعرف كل واحد حقوقه وواجباته وما عليه القيام به، فلا يمد الانسان يده يميناً وشمالاً ويغرف الأموال على طريقة تجار الأزمات والحروب وشراء الذمم. هنا نعرف الفرق الجوهري بين الفساد والتقصير، بين معالجة الأخطاء البشرية الصغيرة التي تبدو عابرة، وبين معالجة الكوارث بطرق تبدو كأنها كوارث جديدة.
علينا أن نتعلم حب المكان الذي نعيش فيه، أن ننتمي اليه ليس بالكلام فقط بل بالأفعال. فلا الشعارات الرنانة تخلق بلداً جميلاً، ولا التطرف بكل شيء يخلق عدل ومساواة. ويبقى الانسان هو أساس البناء، فحين تبني الانسان يرتفع الوطن وتسود الرفاهية الحقيقية والجمال. والرخاء ليس فقط بكمية الأموال التي يملكها البلد ولا بتاريخه العريق، بل بعقول الناس الذين يعيشون فيه، بالقانون والعدل، بالمحبة وروح التسامح.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram