TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: ماراثون البصرة أيهما ينتصر لسان الملح أم جهد الحكومة؟

قناطر: ماراثون البصرة أيهما ينتصر لسان الملح أم جهد الحكومة؟

نشر في: 23 يوليو, 2025: 12:18 ص

طالب عبد العزيز

الضغط الشعبي شبه اليومي على حكومة البصرة يضاعف من جهودها في حلِّ أزمة الماء المالح، التي استفحلت الصيف هذا، فنحن نشهد استنفاراً حكومياً واضحاً، ومن أعلى المستويات من شمال البصرة الى جنوبها، سعياً وراء تخفيف الازمة، وإيجاد السبل لمعالجة مياه الاسالة، من شقٍّ لقنوات جديدة، ومدٍّ لأنابيب، أو استقدام اسطول من الحوضيات... لكننا، كمتابعين يتوجب علينا القول بأنَّ الازمة تفوق بكثير قدرة الحكومة المحلية اليوم، لقد فاتت السنوات على الحلول السريعة، غير مبرئين الحكومة الفدرالية التي وقفت وراء الازمة ذاتها، فقد كاد المحافظ العيداني أن يوقع عقداً مع إحدى الشركات الصينية على انشاء محطة تحلية مياه البحر قبل ثلاث سنوات، لكنَّ رئيس الوزراء السابق(الكاظمي) أوقف توقيع العقد، كما أنَّ انشاء سدٍّ على شط العرب يقع ضمن المسؤوليات الفدرالية لا المحلية.
التحديات الكبرى عند الشعوب تلزم وجود حكومات متحدية وقوية، ولا علاقة للتحدي والقوة هنا بنوع النظام، فإذا كانت الدكتاتوريات والحكومات الدستورية الملكية تعمل بقوة إرادتها الدكتاتورية أو الملكية في دقة وسرعة التنفيذ- نتحدث عن الخدمات- دون الرجوع الى مخاطبات الوزارات والأحزاب فهذا لا يعني بأنَّ الأنظمة البرلمانية غير قادرة على إدارة شؤون البلاد، أو أنها لا تملك الدقة والقدرة وسرعة التنفيذ، أبداً، ذلك لأنَّ القضية تعتمد على الشعور الوطني والإخلاص والإرادة، وبذلك نجدُ أنَّ المشاريع الكبرى كمحطات التحلية البحرية في العالم لا تقتصر على نظام بعينه.
وبناء على ذلك، معلوم أنَّ نسبة الملوحة في البحر الأحمر والخليج العربي هي الأعلى بين البحار والمحيطات، لكنَّ ذلك لم يقف عائقاً أمام حكومة المملكة العربية السعودية من إقامة أكبر محطة تحلية بحرية في العالم تنتج 9 مليون متر/3 يومياً، ومد شبكة أنابيب بطول 12 ألف كلم، وبقطر 2 وربع متر، حيث تم حفر نفق بعمق 4 متر وعرض 11 متر، وإنشاء شبكة نقل عامة الى جميع مدن المملكة بطول 126 ألف كلم، أيْ أنها تلفُّ العالم ثلاث مرات. الشبكة هذه تسدُّ حاجة 35 مليون انسان، تم صناعتها في مصانع المملكة، ولعل ألأصعب من ذلك كله أنّها تخترق بعض الجبال بطول يصل الى 12 كلم. ما ينتج من مياه صالحة للشرب من محطات التحلية البحرية في المملكة يكفي بواقع 2 لتر لكل إنسان على قارات الله السبع يومياً.هكذا تكون التحديات.
وفي العودة الى الحراك الشعبي والتظاهرات التي تجوب شوارع البصرة، والمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب نجدُ أنَّها تلزم الحكومة المحلية والفدرالية على إيجاد الحلول المستدامة، والبصرة المدينة التي تنتج أكثر من 3 مليون برميل نفط قادرة على تأمين كلفة أيِّ محطة للتحلية، مهما كانت وكبرت، وليس من المستحيل عليها مدِّ شبكة أنابيب بطول 1500 كلم من دجلة بالموصل. لقد مضى زمن الحلول الترقيعية، المرتجلة، وجاء زمن الاستدامات الكبرى. ما يحدث في البصرة اليوم أكبر من الكارثة بمعناها العام، التراكيز الملحية التي استوطنت شط العرب، وصعدت حتى أعالي المدينة لن تتوقف في الشتاء، ومهما بلغت كمية إطلاقات الماء من دجلة والفرات لن تكون ضامنة لعطش وملح قادم. قضية الماء قضية وجود وحياة، هي أكبر من الكهرباء والطعام والصحة. قد لا يشكل المتظاهرون تهديداً واضحاً للنظام القائم في بغداد اليوم، لكنه لن يكون آمناً في قابل الأيام، ذلك لأنَّ البصرة ليست آخر مدينة يهددها لسان الماء المالح، والمؤشرات تشير الى ذلك بوضوح.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram