TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أطباء بلا حدود!

أطباء بلا حدود!

نشر في: 27 يوليو, 2025: 12:02 ص

د. طلال ناظم الزهيري

قد تبدو العبارة كإشارة إلى المنظمة العالمية الشهيرة، لكنها هنا تستخدم مجازيًا لتسليط الضوء على ظاهرة غريبة ومتكررة في واقعنا التعليمي: أعداد متزايدة من الطلبة المتفوقين في العراق تنخرط بشكل شبه حصري في التخصصات الطبية. ففي كل عام، ومع إعلان نتائج الامتحانات النهائية للمرحلة الإعدادية، يحتفل المجتمع العراقي بكوكبة من الطلبة المتفوقين الذين أذهلوا الجميع بمعدلاتهم العالية، وغالبًا ما تُرافق هذه الاحتفالات قرارات متوقعة: الالتحاق بكليات الطب وطب الأسنان والصيدلة، وبدرجة أقل التمريض. أصبح الأمر أشبه بطريق مرسوم مسبقًا، لا يترك للطالب مساحة لاكتشاف ذاته أو توجيه شغفه.
هذه الظاهرة، التي تُغلف أحيانًا بنوايا اجتماعية نبيلة، تُخفي وراءها إشكاليات تربوية وتنموية عميقة. فاحتكار الطلبة الأوائل في فروع محددة، يحرم العراق من عقول لامعة في ميادين لا تقل أهمية، بل تُعد أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والنهضة العلمية: الفيزياء، والكيمياء، وعلوم الحياة، والرياضيات، والهندسة، وعلوم الحاسوب، وغيرها من التخصصات التي تُشكل العمود الفقري لأي تطور صناعي أو زراعي أو تكنولوجي.
إن نظرة المجتمع إلى المهن الطبية بوصفها الأعلى مكانة والأكثر ضمانًا اقتصاديًا واجتماعيًا، أدت إلى تشويه فلسفة التوجيه المهني، وتحويله من عملية تربوية إلى سباق نحو "الهيبة" والمكانة الاجتماعية. في المقابل، يُنظر إلى التخصصات العلمية الأخرى ــ مهما كانت أهميتها ــ على أنها خيارات من الدرجة الثانية، مما يعزز عزوف المتفوقين عنها.
بالتالي نحن لا نخسر فقط تنوعًا علميًا، بل نخسر فرصة لبناء قاعدة معرفية وطنية متنوعة تُمكِّن العراق من دخول العصر الحديث بثقة. فكم من عبقري في الرياضيات أُجبر على دراسة الطب؟ وكم من موهوب في علوم الحاسوب حُرم من تطوير مهاراته لأنه لم يستطع مقاومة ضغط العائلة والمجتمع؟
في ظل التحولات العالمية الكبرى، تحتاج الأمم إلى علماء في الطاقة المتجددة، وتقنيات النانو، والذكاء الاصطناعي، والوراثة، والأمن السيبراني، وغيرها من الميادين التي لا تقل أهمية عن الطب، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في تحسين حياة البشر على المدى البعيد.
نشير هنا إلى بعض الدول التي حققت خلال العقود الثلاثة الماضية قفزات نوعية على المستوى الصناعي والتكنولوجي نتيجة تبنيها لبرامج تأهيل أكاديمي محفز يساعد على الابتكار: كوريا الجنوبية على سبيل المثال اتبعت سياسات تعليمية ترتكز على تطوير المواهب في العلوم والهندسة والتكنولوجيا، مع توفير منح دراسية وحوافز مالية متميزة للطلبة المتفوقين في هذه التخصصات. وقد أدى ذلك إلى بناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار والتقنيات الحديثة، حتى أصبحت الشركة الكورية "سامسونج" رمزًا عالميًا للريادة التقنية. كذلك الحال في سنغافورة بعد ان وضعت الحكومة برامج توجيه مهني مبكرة تُرشد الطلبة إلى التخصصات العلمية بناءً على ميولهم وسوق العمل، مع ضمان فرص توظيف واضحة للخريجين في مجالات الهندسة وعلوم الحاسوب والتقنيات الحيوية. كما تميزت في إنشاء مراكز بحث وتطوير على أعلى مستوى، ما عزز موقعها كمنصة تقنية إقليمية. وفي ذات السياق طورت فنلندا نظامها التعليمي ليُركز على اكتشاف المواهب وتشجيع التفكير النقدي والابتكار في المراحل المبكرة، مع نظام توجيه مهني يدعم الطالب في اختيار التخصص المناسب. هذا النهج أسهم في رفع مستوى البحث العلمي وتوفير قاعدة قوية للقطاعات الصناعية والزراعية في البلاد.
هذه النماذج تدل على أهمية تدخل الدولة بوضع برامج تعليمية واستراتيجية بحثية مدروسة، تتيح للطلبة فرصًا عادلة لاختيار تخصصاتهم بناءً على قدراتهم ورغباتهم، مع ضمان دعم مادي ومعنوي متواصل.
على المستوى المحلي لا يمكن معالجة هذه الظاهرة إلا بتدخل حكومي مدروس، خصوصًا من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي يمكنها استحداث برنامج أكاديمي يستقطب الطلبة المتفوقين إلى التخصصات العلمية الأخرى، عبر وضع امتيازات وحوافز تشجيعية، مثل:
• فرصة تعيين مضمونة في مجالات تخصصهم بعد التخرج.
• حوافز مادية شهرية خلال فترة الدراسة لدعم وتشجيع الطلبة.
• إحياء برنامج الابتعاث للطلبة المتفوقين إلى الدول المتقدمة وفق استراتيجية علمية تركز على الحاجات الضرورية في التخصصات العلمية لتحريك عجلة الإنتاج والتطور في مختلف الميادين.
كما يجب تعزيز برامج التوجيه المهني داخل المدارس، لتمكين الطلبة من اكتشاف ميولهم الحقيقية، وتوسيع وعيهم بأهمية كل تخصص ودوره في سوق العمل والتنمية. أيضًا لا بد من حملات توعوية مجتمعية تُغير النظرة السائدة التي تكرّس تفضيل التخصصات الطبية على حساب بقية العلوم.
نحن على يقين أن المشكلة ليست في رغبة الطالب بدراسة الطب، بل في أن هذا الخيار بات هو الوحيد في نظره ونظر مجتمعه. وما لم نكسر هذه القاعدة غير العادلة، سيبقى العراق يعاني من نزيف العقول في غير محلّه، ونخسر مع كل دفعة خريجين، فرصة أخرى للنهوض.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram