TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: شمسُ البصرة للنخل والثورة أيضاً

قناطر: شمسُ البصرة للنخل والثورة أيضاً

نشر في: 27 يوليو, 2025: 12:05 ص

طالب عبد العزيز

لا تُؤتى البصرة من الشمس، فهي مجمرةُ الصيف، وقارورة الملح، نقيع اللهب، ويافطة حمراء؛ تحترق بالريح تارةً، وبالتأفف والغضب أخرى. قد تلينُ، وقد لا تلين أيضاً، لكنها عَظَمةُ النخل وعِرقُ الدين، والبصرة وسادةُ الضوء، وعطبُ العقل في تموز وآب، وغضبة الربِّ الأولى، لا تُكره عند أهلها، ولا تُحمد عند غيرهم، فهي المؤتفكة في حديث أنس بن مالك، وهي الرعناء عند جرير، والتي قتل عند مسجد جمعها الآلاف، قبل أن تكون مختبرُ الخلفاء والسلاطين، الذي قالت لهم: إيّاكم وأنا.
اختلفَ الأولون على تأريخها، فقالوا: دخلها العربُ النجديون واليمانيون فاتحين! متى أُغْلقت البصرة لكي تفتح؟ وقالوا بأنَّ نساءَهم راحت تثير الغبار وراء خيل الرجال الفاتحين فولّى أهلُها هاربين، وهكذا هي عند هذا وذاك، فهم يكتبون بأقلامهم ما ليس في حقيقة أرضها وناسها، فهي الخريبةُ بلفظهم، وقصبةٌ صغيرة من أعمال كسرى، فيما هي أكبر من ذلك بكثير. كذلك يختلف القائلون اليوم بمحنتها في خور عبد الله التميمي، فهذا يشير الى دعامة في بحرها، وذاك يؤشر بعصاه رملة على حدودها، كلٌّ يريد لكلمته خلاصةً، ولرأيه مقتنِعاً، فيما اقتسم الجالسون على الطاولات من أموالها ما اقتسموا، وعبأُوا في حقائبهم ما عبأُوا، ذلك لأنَّ أهلها خارج معادلة القبول والرفض، بعيدون عن ما يعتمل في عقول من يمسكون بأمرها، فتحدَّث بشأنها من لم تحرقه شمسُها، ومن لم يذق تمرها، ولم يحمل بندقيةً في الدفاع عنها. سنذكرُ بأنَّ الشمس في البصرة للغضب والثورة أحيانا.
إذا كانت البصرة أرضاً للفتن عند كتاب السلاطين فهي أرض الثورات اليوم، فلم يستقدم معاويةُ بن ابي سفيان زيادَ ابن ابيه للبصرة سنة 45 للهجرة لإعمارها، وتحسين حال أهلها، إنما لقمع ثورتها، وهكذا ظلَّ التأريخ يحدّثنا عن شعب يُظلم ويثور، وعن والٍ يحكم ويقمع، ويخرب المدينة، حتى أنَّ مؤرخاً معاصراً يحدثنا عن أكثر من 25 خراباً تعرضت له، منذ نشأتها، ولعل العالمين يذكرون بأنَّها خربت على ايدي الحكام البعثيين؛ لأنَّ شرارة الثورة في آذار 1991 انطلقت منها، حين وقف ضابطٌ عائدٌ من كتبيته التي هزمت على الحدود مع الكويت معاتباً تمثال رئيسه(صدام حسين)المسبوك من الحديد والنحاس، والمقام بأحدى ساحاتها، وحين لم ينطق التمثال وجّه ماسورة دبابته نحوه ونسفه، فهاج وماج الناس، وانتصرت الثورة.
يطالع مستعملو الطريق الى مركز البصرة من شارع السعدي؛ صورةً لشاب وسيم، لم يبلغ الثامنة عشر بعد، لعل اسمه (منتظر) مرفوعة على سور ساحة الزعيم، عبد الكريم قاسم، كان أول من سقط برصاص الحكومة سنة 2018 لأنه خرج مع من خرج من البصريين، مطالباً بتحسين نوعية مياه الشرب، وزيادة عدد ساعات التزويد بالطاقة. الناس في البصرة يخرجون ضد الحكام الطغاة، منذ عقود سحيقة، هم مثل سكان المدن في المكسيك، بوصف أوكتافيو باث في كتابه(متهات الوحدة)يتظاهرون منذ أن كان القمع بالهراوة، ومازالوا يخرجون ويتظاهرون وآلة القمع البندقية. ليست الشمسُ في البصرة لإنضاج الرطب ولبغضاء غير البصريين هي للثورة أيضاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram