TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > استعادة حلم مسروق

استعادة حلم مسروق

نشر في: 8 مارس, 2011: 07:20 م

كاظم الواسطيفي الأيام التي سبقت سقوط الدكتاتورية ، كان معظم العراقيين يتداولون أحاديث متنوعة عن وسائل ابتهاجهم ، والكيفية التي سيحتفلون بها بعد زوال نظام الاستبداد . فهنالك من رسم في مخيلته صوراً كرنفالية للجماهير وهي تحتفل في الشوارع بأقدامٍ عارية تتراقص على أصوات الموسيقى أياماً وليالي ، وآخرون أعطوا عهدا بممارسة سلوكيات غير تقليدية ، وغريبة الشكل ، كالخروج عراة ، أو بملابسٍ تحوي كل الألوان، وغيرها من الصور الغرائبية التي تعكس درجة الغليان ، والضغط ، التي كانت تحرق نفوس العراقيين في ظل أبشع أنواع الاستبداد والقمع .
ولكن ما جرى بعد التغيير عام 2003 من أحداثٍ ، ومشاهد تميّزت بالفوضى , وعمليات السلب والنهب ، وجرائم الإرهاب الأسود ، ووجود قواتٍ أجنبية مدجّجة بكل صنوف المعدات والأسلحة لم " تساعد " ، منذ البدء على تشكيل حكومة تمثل تطلعات العراقيين الخارجين من جحيم البعث الصدامي . بمعنى آخر حلّت الفوضى العارمة ، وعمليات القتل الواسعة ، محل الديكتاتورية ، التي كان لبعض رموزها الإجرامية دور مميّز في ذلك . وكان من نتائج تلك الأوضاع ، أنها سرقت حلم العراقيين بإقامة مهرجان فرحهم ، وتحويل جمرات تلك الأعوام إلى ألعابٍ نارية في سماء الوطن . وكانت الغصة بتلك الجمرات ، التي لم تتحول ألعاباً في الهواء ، تحرق الأنفاس والنفوس . وبالرغم من التضحيات والخسائر التي تكبدها العراقيون في تلك الفترة ، وعدم وجود قوى سياسية منسجمة ، وفاعلة ، تطمئنهم على مستقبل حياتهم بإجراءات ملموسة على أرض الواقع ، فقد كان رفضهم قوياً للمحاولات التي تريد إعادتهم إلى أجواء الاستبداد والاستعباد ، فكان موقفهم ، واضحاً ، بجانب الحياة واستمرارها وسط كل تلك المخاطر ، بأشكالٍ أخرى بعيدة الصلة بعالم الأمس المثخن بالجراح والآلام . وبقيت المشكلة الأكبر عدم قدرة الفرقاء السياسيين على الاتفاق على ستراتيجية عمل وطني مشترك تعتمد على الشعب في تنفيذها، وإلى الوطن تعود منافعها .وبصبر هذا الشعب ، وتحملّه اللامحدود ، تحققت لهؤلاء الفرقاء فرصة الحكم والتحكم ، في وقتٍ كان يعيش فيه تحت مطرقة الفقر والإرهاب ، وهو يصر في ظلهما ، على التمسك بطريق التغيير : فتمت كتابة الدستور، وأجريت الانتخابات وراء صدور أبناء الشعب العارية أمام رصاص الإرهاب ، ومفخخاته . كان أمل المواطنين العراقيين ، بعد هذه الجهود المضنية ، أن تقوم المؤسسات التي بُنيت على أجسادهم الضامرة ، برد الخدمة مضاعفة في سد احتياجاتهم ، وتلبية مطالبهم . وتمر الأعوام على ذات الحال ، وما من استجابة تُذكر لتلك الاحتياجات ، والمطالب ، بل أخذ الأمر يزداد سوءاً في مجال الخدمات ، والحقوق ، والحريات . وانشغل من انتخبهم المواطن ليكونوا ممثلين له ، ومدافعين عنه ، بصراعات جانبية وسط خارطة المحاصصة البغيضة . واستشرت حالات الفساد ، واتسعت دائرة الفاسدين في مفاصل الدولة دون مراقبة أو عقاب . وبقيت الخدمات معطّلة رغم التخصيصات المالية الضخمة التي تتبخر حالما تُستلم .وبعد هذا ، لماذا كل هذا الضجيج ، والاتهام ، والتهديد ، لمواطنين وضعوا حياتهم على أكفهم كي تستمر العملية السياسية ، مثلما ادعى السياسيون أنفسهم ، باتجاه بناء الديمقراطية على أسس سليمة ، لمجرد مطالبتهم بإصلاح هذه العملية من التشوهات التي تعرضت لها من الفساد والفاسدين، وممن يريد كمّ الأفواه ، وسلب الحقوق والحريات ، على طريقة من أجمعنا على عدم العودة إلى دائرة سياساته السود ؟إن التظاهرات المطالبة بالإصلاح ، والخدمات ، وتوفير العيش الكريم للمواطنين ، وتمتعهم بحقوقهم وحرياتهم التي كفلها الدستور ، دليل عافية لأيّ تجربة تريد حقاّ بناء مجتمع ديمقراطي ، وحكومة مدنية تضمن حقوق مكونات مجتمعنا كافة بلا تمييز على أساس طائفي ، وقومي ، وديني في وطن الجميع . إن المتظاهرين في الاحتجاجات السلمية التي تشهدها بلادنا يبحثون عن فرصة لاستعادة مهرجان الفرح الذي سرقته منهم ظروفٍ لا يريدون لها الاستمرار بذات الوتيرة التي لا ندري ما الذي سيرتكب فيها إذا ما بقينا صامتين.     

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram