TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شهوة السلطة من خلال فرضية نمط الإنتاج

شهوة السلطة من خلال فرضية نمط الإنتاج

نشر في: 13 أغسطس, 2025: 12:01 ص

إسماعيل نوري الربيعي

تُقدّم الماركسية، عبر فرضية المادية التاريخية، إطارًا نظريًا لفهم تطور المجتمعات وصراعاتها، ليس من خلال الأفكار المجردة أو إرادة الأفراد، بل من خلال البنية المادية للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وفي قلب هذه النظرية يقبع مفهوم نمط الإنتاج، بوصفه التوليفة بين قوى الإنتاج (الأدوات، البشر، المهارات، المعرفة) وعلاقات الإنتاج (من يملك، ومن يعمل، ومن يتحكم). لكن ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الرؤية الماركسية إلى فهم شهوة السلطة، خاصة حين تتحول إلى نزوع مطلق نحو الاحتكار والتدمير، كما في حالة صدام حسين؟

يرى ماركس وإنجلز أن قوى الإنتاج تتطور تاريخيًا، ومعها تتغير علاقات الإنتاج. فإذا لم تعد هذه العلاقات قادرة على استيعاب قوى الإنتاج المتنامية، تنشأ تناقضات وصراعات طبقية تقود إلى انهيار النظام القديم وصعود نظام جديد. لكن في المراحل الانتقالية، خصوصًا حين يكون التطور غير مكتمل، تظهر سلطات (فردية مطلقة) تحاول السيطرة على هذا التحول، إما لحماية مصالح طبقة مسيطرة، أو لصناعة طبقة جديدة تابعة لها. في المجتمعات ما قبل الصناعية أو شبه الصناعية – مثل العراق في سبعينيات القرن الماضي – كانت الدولة الريعية النفطية تمثل البنية الاقتصادية الأساسية. هنا، لم تكن السلطة السياسية مجرد انعكاس للبنية الاقتصادية، بل أصبحت أداة للسيطرة المباشرة على الثروة وتوزيعها. في مثل هذه الظروف، تتحول شهوة السلطة إلى وسيلة للهيمنة على قوى الإنتاج نفسها، من خلال التحكم في النفط، والجيش، وأجهزة الأمن، والإدارة.
من علاقات التعاون إلى علاقات الهيمنة
في النظرية الماركسية، يمكن لعلاقات الإنتاج أن تكون أداة تعاون، كما في المجتمعات المشاعية الأولى، أو أداة سيطرة كما في العبودية والإقطاع والرأسمالية. وفي حالة العراق البعثي، لاسيما بعد 1979، تحوّلت علاقات الإنتاج والسياسة إلى منظومة هيمنة مطلقة، قاعدتها الولاء الشخصي للقائد، لا الانتماء الطبقي أو الإنتاجي. قبل انقلاب صدام الداخلي على أحمد حسن البكر، كان مشروع الوحدة العراقية–السورية يمثّل – ولو شكليًا – محاولة لخلق بنية سياسية أوسع، قد تغيّر علاقات القوى داخل الحزب والدولة. لكن صدام، بقراءته الخاصة لمعادلة السلطة، أدرك أن هذه الخطوة ستضعه خارج مركز القرار: فقيادة الحزب للبكر، ورئاسة دولة الوحدة للأسد، ستجعل منه رقماً هامشيًا. هنا تتجلى شهوة السلطة في أنقى صورها: استعداد للتضحية بأي مشروع قومي أو وحدوي، طالما كان يهدد احتكار الموقع الأول.
مجزرة قاعة الخلد كنموذج للعنف البنيوي
في تموز 1979، نفذ صدام ما عُرف بـ"مجزرة قاعة الخلد"، حيث أُعدم 22 قياديًا بعثيًا. هذه الحادثة ليست مجرد فعل دموي فردي، بل يمكن قراءتها من منظور المادية التاريخية، كآلية لإعادة تشكيل علاقات الإنتاج السياسي داخل النظام: تصفية التيار الوحدوي الذي قد يعيد توزيع السلطة داخل الحزب. إحلال شبكة ولاء شخصي مرتبطة مباشرة بالقائد. تحويل جهاز الدولة والحزب إلى أدوات قمع مكرسة لخدمة شخص واحد، لا لطبقة أو مشروع اقتصادي–اجتماعي حقيقي. إنها لحظة تأسيس (نمط إنتاج سياسي سلطوي)، قائم على احتكار القرار والموارد، وعلى تحويل الدولة إلى شركة عائلية ضخمة، حيث يُعاد تعريف كل علاقات الإنتاج الاجتماعي (في الجيش، النفط، التجارة، الإعلام) على أساس الولاء الشخصي.
شهوة السلطة في خدمة إعادة إنتاج النظام
وفق الماركسية، فإن البنية الفوقية (القانون، السياسة، الثقافة) تخدم القاعدة الاقتصادية. لكن في الأنظمة الريعية مثل العراق البعثي، كان النفط مصدر الثروة، والدولة مالكة شبه مطلقة لوسائل الإنتاج، ما جعل البنية الفوقية (الدكتاتورية، أجهزة الأمن، الإعلام) أداة مباشرة لإعادة إنتاج النظام القائم. صدام لم يكتفِ بالسيطرة على جهاز الدولة؛ بل أعاد هندسة المجتمع بحيث تصبح السلطة ذاتها (وسيلة الإنتاج الأساسية): من يملك القرار السياسي يملك القدرة على الإثراء، والحماية، والبقاء. هذا الشكل من السيطرة يجعل شهوة السلطة ليست مجرد طموح شخصي، بل شرطًا ماديًا للبقاء داخل النخبة الحاكمة. المادية التاريخية تعلمنا أن أي نمط إنتاج، يحمل في داخله تناقضاته الخاصة التي تؤدي إلى انهياره. نظام صدام، القائم على الريع النفطي، والهيمنة الشخصية المطلقة، والعسكرة، لم يكن قادرًا على التكيف مع التغيرات في قوى الإنتاج وعلاقاتها. الحروب (إيران، الكويت) استنزفت الموارد. العقوبات الدولية شلّت الاقتصاد. التحولات في النظام العالمي بعد الحرب الباردة أضعفت الغطاء الدولي لأنظمة مثل نظامه. وعندما جاء الغزو الأمريكي عام 2003، لم يقاتل صدام دفاعًا عن نظامه أو بلده، بل اختار الاختباء في حفرة ضيقة بمزرعة الدور، تاركًا أسلحته وراءه. هذه النهاية المذلة ليست مجرد مشهد شخصي، بل هي التعبير المادي عن انهيار نمط الإنتاج السياسي الذي بناه: بمجرد أن فقد القدرة على التحكم في الموارد والقوة العسكرية، انهار كل شيء من حوله.
ما بعد الطاغية – الفراغ وبحث الناس عن السلطة
بعد سقوط صدام، فشلت الحكومات المتعاقبة في بناء دولة قوية مستقلة. تفتتت مؤسسات الدولة، وتعمق الفساد، وضاعت السيادة، وتنامت الخيبات. من منظور الماركسية، يمكن القول إن نمط الإنتاج الريعي لم يتغير جذريًا بعد 2003؛ بل تبدلت النخب المستفيدة، فيما بقيت علاقات الإنتاج قائمة على المحسوبية والفساد، لا على الإنتاج الحقيقي. وهذا ما جعل "السلطة القوية" – حتى لو كانت دموية – تبدو للبعض خيارًا أفضل من الفوضى. شهوة السلطة ليست في جوهرها نزعة نفسية فردية فحسب، بل هي – في كثير من الحالات – انعكاس لشروط مادية في نمط الإنتاج وعلاقات السيطرة على الموارد. في حالة صدام حسين، تلاقت نزعة فردية عارمة للهيمنة مع بنية اقتصادية–سياسية ريعية، فنتج عنها نظام دكتاتوري مطلق، أعاد تشكيل المجتمع على أساس الولاء الشخصي والقمع. لكن المادية التاريخية تذكرنا أن أي نظام يقوم على القهر والاحتكار، من دون قاعدة إنتاجية متجددة، محكوم بالانهيار، مهما طال عمره أو اشتدت قبضته. وصدام، الذي صعد بدماء رفاقه، انتهى في حفرة مهينة، بينما ترك وراءه بلدًا ممزقًا، ونظامًا اقتصاديًا هشًا، ومجتمعًا يبحث عن بديل لم يجده بعد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram