TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل توجد حروب عادلة، وأخرى غير عادلة ؟

هل توجد حروب عادلة، وأخرى غير عادلة ؟

نشر في: 18 أغسطس, 2025: 12:01 ص

جان فيليب ديلسول

ترجمة : عدوية الهلالي

هل يُمكننا ربط الأخلاق بالسياسة بالحديث عن «حرب عادلة»؟ لطالما كان هذا النقاش مُثيرًا للانقسام منذ العصور القديمة، خاصةً وأن هذه الفكرة ليست بمنأى عن الاستغلال.
لا يُمكن اعتبار أي نزاع مُسلح، مع ما يصاحبه من إصابات ووفيات وصدمات، عادلًا مُسبقًا،فأمام مشهد الحرب، تُصبح الغريزة الإنسانية الأشدّ هي الإدانة والتعبير عن الغضب. ومع ذلك، تُقبل بعض الحروب وتُبرّر، مثل صراع الحلفاء ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية أو نضال الشعوب المُستعمَرة من أجل استقلالها. فهل يُمكننا إذًا الحديث عن «حروب عادلة»؟ إذا كان الأمر كذلك، فعلى أي مستوى: هل هذه الحروب عادلة أخلاقيًا أم ضرورية سياسيًا؟
يتمحور النقاش المعياري حول الحرب حول تيارين رئيسيين في الفلسفة السياسية والأخلاقية: الواقعية والمثالية، فمن جهة يميز المفكرون كلاوزفيتز وكارل شميت، السياسة عن الأخلاق، مما يدفعهم إلى فصل الحرب عن فكرة العدالة. فبالنسبة للأخيرة، الحرب خيار سياسي، وليست هدفًا أخلاقيًا أو معنويًا أو حتى قانونيًا. وبهذا المعنى، لا توجد حروب عادلة، بل حروب مبررة سياسيًا فقط. وتُقرر هذه الحروب وتُديرها الحكومات عندما يكون بقاء المجتمع والمصلحة الوطنية على المحك. أما الأخلاق فليست غائبة، لكنها تابعة للسياسة. وهكذا، يوضح جان جاك روسو، في بداية كتابه «العقد الاجتماعي»، أن «الحرب ليست علاقة بين إنسان وآخر، بل بين دولة ودولة». وبينما للعدالة نطاق عالمي، تُشكّل الحرب استجابة سياسية وعسكرية محددة للصراع بين دولتين. وهذا هو معنى عبارة المفكر البروسي كلاوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». إنها تهدف إلى الحفاظ على سلامة الدولة أو تعزيز قوتها، لكنها لا تُشكل فعلاً أخلاقياً يُمكن وصفه بالعادل.
ويذهب التقليد المثالي، الذي يُمثله الأب دي سان بيير، وإيمانويل كانط، أو مؤخراً إيمانويل ليفيناس، إلى أبعد من ذلك في معارضة فكرة الحرب العادلة، لدرجة نزع أي شرعية عن استخدام القوة. إذ يرى هؤلاء المفكرون ان الحرب تشير إلى إصابة أو قتل إنسان آخر، وهو ما يُشكل فعلاً غير أخلاقي أو انحرافاً عن الأخلاق. لذلك، لا يُمكن اعتبارها عادلة، مهما كانت الظروف. فبينما يُضفي الواقعيون على الحرب شرعية سياسية، يرفضها المثاليون سياسياً وأخلاقياً. وهكذا، يقول كانط في نهاية كتابه «مبدأ الحق» (1795): «يجب ألا تكون هناك حرب». والمفكر الألماني واضح بشأن ضآلة فرص نجاح «مشروع السلام الدائم»، لكنه يرى في رفض الحرب ضرورةً قاطعةً على المستوى الأخلاقي.وهنا تخضع السياسة للأخلاق.
ولعل مسألة ما إذا كانت الحرب عادلة هي مسألة قديمة ، فقد كان أرسطو وشيشرون مقتنعين بالفعل بأن الحرب لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا خدمت السلام. وقد شكك المسيحيون الأوائل في شرعية الحرب ومشاركتهم في استخدام السلاح. ثم تطورت عقيدة غربية حقيقية للحرب العادلة في العديد من الأعمال، من أوغسطينوس (354/430) إلى توما الأكويني (1225/1274)، الذي لخّصها، مستخدمًا أيضًا القانون الروماني. ففي كتابه «الخلاصة اللاهوتية»، يُخضع توما الأكويني الحروب لثلاثة شروط لتكون عادلة: أن تُحسم الحرب بسلطة شرعية للدولة؛ وأن تكون القضية عادلة، أي أن تسعى إلى إنصاف ظالم؛ وأن تكون نية الأمير صائبة، أي أن تسعى إلى نشر الخير أو وضع حد للشر.
وبعد ما يقرب من أربعة قرون، تبلورت هذه الفكرة على يد هوغو غروتيوس، الذي يرى أن الحرب عادلةإذا كانت قضيتها عادلة، وهو ما ينطبق على الحرب التي شُنت دفاعًا عن النفس، أو لاسترداد ممتلكات المرء، أو بشكل أعم، «مستحقاته»، أو لمعاقبة المخطئين.
وعلى النقيض من ذلك، قال إن الحروب التي تستخدم ذرائع أو تستند إلى أسباب غير مؤكدة هي حروب ظالمة.
لكن الصعوبة، بالطبع، تكمن في أن كل شخص يفسر مفهوم «الحرب العادلة» على طريقته. فباسم الحرب العادلة، تم تبرير الحروب الصليبية واستعمار أمريكا . كما يريد الروس استعادة أوكرانيا، كما لو أن الإيطاليين أرادوا استعادة سافوي ونيس، أو الألمان ارادوا استعادة ألزاس ولورين، فهم يدّعون أن أوكرانيا تنتمي إلى الأمة الروسية، رغم أن لأوكرانيا ماضيها الخاص، ولغتها الخاصة، وجزئيًا، دينها الخاص.
والأمر أكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط لأن الدين أكثر تشابكًا إذ تريد إسرائيل كامل يهودا والسامرة لأنها أرض دينية كانت تابعة لها قبل ألفي عام. كما أن الرومان كانوا يطالبون بأرض الغال من فرنسا!
وتُخضع أراضي الإسلام السياسة للدين، فغاية الدولة في الإسلام هي تحقيق إرادة الله في الأرض!. وسرعان ما ميّز التراث الإسلامي بين عالمين: دار السلام، التي يحكمها المسلمون، وتقطنها عمومًا أغلبية من المسلمين الذين يعتنقون الإسلام، ودار الحرب، حيث لا يزال الفتح مُتوقّعًا.
,وكما يقول اللاتين (إنْ كُنتَ تُريدُ السلامَ، فاستعدَّ للحربِ)،لذا فإن الاحداث المعاصرة تذكر أوروبا على أقل تقديربهذه الحقيقة ..ومع وجود حرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، وأخرى قد تمتد إلى حدود الهند وباكستان.يمكن ان نتساءل : أي الخصوم يملكون الشرعية لشن هذه الحروب؟ وهل يمكن اعتبارها حروب عادلة ؟!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram