TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أقسام الذكاء الاصطناعي والسباق المحموم للجامعات العراقية!

أقسام الذكاء الاصطناعي والسباق المحموم للجامعات العراقية!

نشر في: 19 أغسطس, 2025: 12:02 ص

د. طلال ناظم الزهيري

في المدة الأخيرة، شهدت عدة جامعات عربية، وخصوصًا العراقية منها، سباقًا محمومًا لافتتاح أقسام مستقلة للذكاء الاصطناعي على مستوى البكالوريوس. وهي خطوة تُسوّق على أنها استجابة لمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة وتطور سوق العمل العالمي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول مدى جاهزية هذه البرامج من حيث البنية البحثية والمحتوى الأكاديمي. فالدول العربية ما زالت مساهمتها تمثل نسبة محدودة جدًا في الإنتاج العلمي العالمي في هذا المجال، ما يجعل هذا السباق أشبه بمحاولة القفز إلى النهر قبل بناء الجسر.
وهنا تبدو الجامعات وكأنها تتخلى عن علوم الحاسوب التقليدية لتلبس معطف الذكاء الاصطناعي الجديد، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى مختبرات متخصصة، كوادر مدربة، أو مشاريع بحثية عملية. وفي كثير من الحالات، يسبق الإعلان عن استحداث الأقسام تهيئة الظروف والمتطلبات اللازمة. بالمقابل، الجامعات الرائدة عالميًا لا تستعجل إطلاق البرامج الجديدة؛ فهي تركز أولًا على تهيئة البنية التحتية، التي تشمل إنشاء المختبرات، وتطوير الكوادر الأكاديمية قبل الإعلان عن أي برنامج مستقل. هذا النهج يضمن أن أي تخصص جديد يكون قادرًا على تقديم تعليم متكامل قائم على البحث العلمي والخبرة العملية، عكس ما يحدث أحيانًا في بعض الجامعات العربية، حيث يبدو السباق نحو الاسم الجذاب أسرع من تطوير المحتوى الفعلي.
ولعل المفارقة الأكبر هي أن معظم الجامعات العريقة على المستوى العالمي لا تقدم الذكاء الاصطناعي كقسم مستقل في مرحلة البكالوريوس، بل كمسار ضمن علوم الحاسوب أو الهندسة، مع التركيز على البحث العلمي والتراكم المعرفي قبل أي خطوة كبيرة نحو إنشاء قسم مستقل. على سبيل المثال، يقدم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) برنامج بكالوريوس في الذكاء الاصطناعي ضمن تخصصات الهندسة وعلوم الحاسوب، مع الاعتماد على مختبرات بحثية متقدمة مثل مختبر الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب (CSAIL). أما في بعض الجامعات العربية، فإن هذه المبادرات تشبه الانضمام إلى موضة عابرة، حيث يكون الاسم الجذاب أهم من المحتوى الفعلي، كما حدث مع بعض البرامج التي افتُتحت مؤخرًا دون إعداد بنية أكاديمية أو بحثية كافية. مدفوعة برغبة الجامعات في التنافس على جذب الطلاب، او الاستجابة للخطط الحكومية للتحول الرقمي، والرغبة في مسايرة الركب العالمي، حتى وإن لم تكتمل البنية البحثية بعد. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على خطر كبير، إذ قد يتحول السباق إلى الهبوط في هاوية التعليم الأكاديمي إذا لم يتم تطوير البنية التحتية والمناهج بشكل متوازن.
ومن الجدير بالذكر ان امتلاك قسم باسم "الذكاء الاصطناعي" لا يعني بالضرورة توفر الخبرة أو القدرة على تأهيل الطلاب فعليًا. فالخبرة في هذا المجال يمكن اكتسابها ضمن أقسام علوم الحاسوب عبر تطوير المناهج، وإضافة مقررات متخصصة، إنشاء مختبرات تدريبية، ومشاريع بحثية عملية، دون الحاجة إلى إنشاء قسم منفصل باسم جديد.
ومن تجربتي الشخصية في تطوير قسم المعلومات والمكتبات، اعترف إني ارتكبت خطأ عندما قدت حملة لتغيير مسمى القسم إلى "قسم المعلومات وتقنيات المعرفة" قبل أن يتم تطوير مهارات الأساتذة والمناهج لتتناسب مع المسمى الجديد. النتيجة كانت واضحة: تغيرت اللافتة، لكن العقول بقيت واقفة في محطة المسمى القديم، مما أثر على جودة التعليم ووضوح الرؤية الأكاديمية للطلاب. هذه التجربة تؤكد أن المسمى وحده لا يصنع التغيير، وأن التسرع يؤدي إلى فجوة بين الشكل والمضمون، وهو ما يهدد المسار الأكاديمي بأكمله إذا تكرر مع أقسام الذكاء الاصطناعي الجديدة.
إن فتح قسم باسم "الذكاء الاصطناعي" ليس كافيًا لتهيئة جيل قادر على المنافسة عالميًا. المطلوب استثمار حقيقي في تدريب الأساتذة، إنشاء مختبرات متخصصة، ربط المناهج بمشاريع تطبيقية، وبناء شراكات مع شركات التكنولوجيا. بدون هذه الخطوات، ستظل الأقسام الجديدة أقرب إلى صرعة أكاديمية مؤقتة، لا إلى تحول علمي حقيقي.
وفي سياق متصل نعتقد من المهم مناقشة توجه وزارة التعليم العالي نحو استحداث كلية التميز، مع نية تقديم امتيازات مادية كبيرة للدارسين فيها. على الرغم من نواياها الحسنة، إلا أن هذه الخطوة قد تكلف الدولة مبالغ أكبر مقارنة باستثمارها في إرسال نخبة من الأساتذة الشباب وطلاب الدراسات العليا إلى الدول المتقدمة لتلقي التدريب والخبرة العملية. لأننا ببساطة نؤمن ان إحداث ثورة حقيقية في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقودها 10 إلى 50 خبيرًا فقط، يكونون الركيزة الأساسية لبناء جيل متقدم.
لذلك، قبل أي خطوة نحو إنشاء أقسام جديدة، ينبغي التركيز على بناء القدرات البشرية والبنية البحثية. وفي سياق موضوع بناء القدرات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي نقترح:
•تفعيل برنامج ابتعاث للكوادر التدريسية الشابة إلى الجامعات والدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي لاكتساب الخبرة العملية والأكاديمية.
•إرسال طلبة الدراسات العليا للحصول على شهادات متقدمة من جامعات عريقة، مع التركيز على البحث العلمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
•تطوير أقسام علوم الحاسوب القائمة لتضم مقررات ومشاريع متخصصة في الذكاء الاصطناعي، قبل التفكير في إنشاء أقسام جديدة مستقلة.
•تأسيس مختبرات بحثية متقدمة مرتبطة بسوق العمل والصناعة، لتمكين الطلاب من ممارسة الذكاء الاصطناعي بشكل فعلي، وليس فقط نظريًا.
هذه الخطوات تضمن أن أي قسم جديد أو برنامج أكاديمي في الذكاء الاصطناعي يكون مبنيًا على أساس متين، ويحوّل السباق المحموم نحو اللافتات إلى رحلة تعليمية حقيقية ومستدامة. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل نحن أمام نهضة تعليمية حقيقية، أم مجرد سباق نحو اللافتة قبل المختبر؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. علي احمد

    منذ 5 شهور

    العراق كما الحال في كل المجالاات، يوجد فيه عدد كبير ممن يدعون التخصص في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن معلوماتهم لا يتعدى ما ينشر على تك توك. حتى في الجامعات، لا يوجد متخصص عراقي يعرف تفاصيل كيف يعمل التطورات الاخيرة في هذا المجال.

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram