TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الغزالات تركضُ بصوت مهستي

قناطر: الغزالات تركضُ بصوت مهستي

نشر في: 20 أغسطس, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

يقول د. محجوب الزويري وهو باحث معروف في تاريخ الشرق الاوسط ما معناه بأنَّ الشعب الإيراني وعلى الرغم من مرور نصف قرن تقريبا على الثورة الخمينية مازال يشبحُ بعينه على حياته في الغرب، ولا يجد في الثورة ومشاريعها ما ينتظره، هناك علائق وثيقة وثقافة أسس لها الشاهنشاه محمد رضا بهلوي تشدّه الى هناك، لا بالمعنى السياسي، إنِّما بمعاني الحرية والتحضر والنمط الحياتي. وهذا مما يعانيه الزائرُ السائحُ في المدن الإيرانية، إذ لم تهيمن الطقوس والشعائر الدينية بثقلها المعروف لدينا على طبيعة البيت الإيراني، وعلى المرأة بخاصة، حيث يلاحظ مستعملُ الطريق وراكب السيارة وداخل المطعم والمقهى.. ووو ذلك جلياً.
مازالت أغاني كوكوش ومهستي وهايده وزينب خانم وسواهنَّ تُسمع؛ وإلى اليوم في الأمكنة تلك، وإنْ بدرجات مختلفة، هذه الأصوات التي تحملك الى فضاءات شعب محبٍّ للحياة، عاشق للكلمة العذبة الرقيقة، الذي غذَّته طعومُ موائد التصوّف، وأُشْبعتْ روحُه بماء شعر حافظ وسعدي وعمر الخيام وفروغ فرحزاد، ولم يزل على الحلم ذاك. في العام 1975 يأتي المغني والممثل الأمريكي فرانك سيناترا(1915-1998) صحبة فرقته الموسيقية الكبيرة العاصمةَ الشاهنشاهية طهران ويقيم حفلاً غنائياً يحضره الآلاف، فتحتشد الأرضُ بالنساء الجميلات والشباب الانيق بالزيّ الافرنجي، الذي مازال مُعايناً في بعض تفاصيله بين أوساط الشباب اليوم. بقيت متأملاًً صوت سيناترا وسط عشرات المنشدين والعازفين بآلاتهم التي لا تحصى، وسط جمهور ظلَّ كثيرٌ منه واقفاً.
يحدثنا آباؤنا عن ليالي أنسهم التي كانت لهم في أسواق ومطاعم وملاهي وسينمات عبادان، في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي ماتزال قرية صغيرة، على ضفة شط العرب الشرقية، وعن نمط الحياة الغربية؛ التي تترسخ وتسود، حيث تخلص الإنسان هناك من كثير علق بسلوكه الحياتي القبلي، في الأكل والملبس والسفر، وذهب متطلعاً الى سلوك جديد، موائم للحياة في المدينة الكبيرة طهران، في الوقت الذي كان فيه مايزال سكان قرى أبي الخصيب والفاو والسيبة والبصرة بعامة ينامون بحلول الظلام، ولا يعرفون عن الغناء أكثر من أغاني الغجر وشيئاً من الخشابة ومحمد القبانجي ويوسف عمر.
حين أتيحت لنا فرص السفر الى طهران والمدن الإيرانية بعد العام 2003 ذهبنا يحدونا أملٌ بمشاهدة ما كان آباؤنا يحدثوننا به، ومع أنَّ الثورة الإيرانية تمكنت والى حدٍّ ما من الحياة هناك، وثبّتتْ من القماشة السوداء والنيلية على رأس المرأة، وأغلقت الحانات والملاهي، مع إبقائها المقصود على المسرح والسينما إلا أنَّ الحياة مازالت تنبض هناك، فقد تثبتنا منها في سلوك الانسان هناك، وفي عيون النساء بخاصة وفي حديث المطعم والرصيف والمؤسسات المدنية الأخرى، حيث لا تبرز معالم التدين أكثر من حدودها المتحدَث عنها في وسائل الاعلام، والتي صُدِّرت الينا، بوصفها خلاصة التحوّل من الشاهنشاهية الى الدولة الإسلامية، فيما الداخل الإيراني المؤسساتي مازال يعاني من ضمورها وتراجعها فيه.
يستغربُ الكثيرُ من أهلنا من سلوك الانسان الإيراني الشيعي الزائر، الذي يجمع بين تعلقه بحبِّه لحياته الشخصية وحب آل البيت وقضية العاشوراء بخاصة، فهو حين يحمل لزوجته الناركيلة، ويمنحها نفّسَاً من غرشة الحشيش وربما تذوقت معه كأس النبيذ لا يعني عنده الكفر والمروق والفسق والخروج من الملة كما يعني ذلك عندنا، أبداً، هناك شعب يفكر بحياة مختلفة يجمع الاثنين فيها معاً، مستنداً الى تاريخ عريق في العشق وعناء الذهاب الى المعشوق عبر الاغنية وقصيدة الشعر وتسريحة الشعر والمفردة اللينة، إذْ ليس غريباً أنْ تسمع من الرجل قوله لإبنته: تعالي، أنا أعشقك! فالعشق هنا خارج معاني السوء كالزنا والخيانة الزوجية وكثير مما تمكَّن واستقر في العقل العربي-العراقي.
قبل أنْ أُشرعَ بكتابة المادة هذه؛ كنتُ أستمع الى أغاني العظيمة مهستي، هذا الصوت المستلُّ من الضوء، الخارج من الينابيع، المنتفضُ في أعماق الدنان، الذي استحم بالنبيذ طويلاً، والمستوفي لاشتراطات الجمال والاناقة، الذي تنشدُه قبل أن تصدح مغنيةً بقصائد سعدي وحافظ شهريار وبهادر يكاته ومولود در هتاب.. أقول هذا الصوت وهذه الكمنجات وهذه الدفوف أرغمت يدي على أن تمتدَّ طائعةً الى زجاجة النبيذ، حيث أدَّخرُ لمثل هذه في درجٍ عتيق، ولأنني بلا شيءٍ من لوازم معادلة الطعوم؛ فقد ألجأني الصوتُ الى الذهاب في الظهيرة الآبيّةِ هذه الى متجر صغير، قرب البيت،يبيعني صاحبُه الفستقَ والزيتون مثلما يبيع الحلوى والسكاكر للأطفال، فتبضعت منه ما أنا قاصده بشأنه، وحين عدتُ محمولا على كأسي الثانية، سمعت مهستي تقولُ(الله بديعي) فتمددتُ مصغياً، غير ملول، والغزالات ماتزال تركض بصوتها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ثلاث ساعات حاسمة في جنيف.. ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟

النقل: طريق التنمية بلا فيتو.. إنجاز القناة الملاحية بالكامل

الاستخبارات تفكك شبكة من 4 متهمين وتحرر 3 ضحايا ببغداد

التخطيط: إصلاح الرواتب يتطلب رؤية تضمن الاستدامة المالية!

نيويورك تايمز: ضربة أميركية محتملة لإيران لفرض تنازلات نووية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram