TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أناركية السلطة في العراق

أناركية السلطة في العراق

نشر في: 21 أغسطس, 2025: 12:21 ص

أحمد حسن

عند البحث في التجربة العراقية بعد عام 2003 نجد أنفسنا أمام واقع لا يكفي فيه توصيف الأحداث الجارية أو ترديد ما تقوله الأحزاب والقوى السياسية فالقضية أعقد من ذلك. السؤال الأصح هو ما طبيعة الجغرافيا التي حملت اسم الدولة العراقية الحديثة منذ ولادتها الأولى وما علاقة العراقيين بها؟ كبار المؤرخين العراقيين وغيرهم يجيبون بأن الدولة العراقية لم تولد من إرادة حرة لجماعاتها وإنما نشأت بقرار خارجي رسم الحدود وصاغ التركيبة وفق مصالحه. لذلك كان الضعف يسكن هذا البناء منذ البداية، فالعراقيون لم يروا فيه عقداً اجتماعياً بقدر ما اعتبروه سلطة مفروضة تمارس دور الوصي لا الشريك. لذلك لم تكن الدولة جسداً حياً متجذراً في الأرض بقدر ما كانت جهازاً إدارياً وعسكرياً يطل من فوق يتكئ إلى قوة الإكراه أكثر مما يتكئ إلى رضا المحكومين.
على امتداد القرن العشرين أعيد إنتاج هذه الصيغة بعناوين مختلفة. فالنظام الملكي ارتكز على الجيش وعلى نخبة ضيقة ارتبطت بالانتداب فبقي المجتمع في موقع المتفرج. والجمهوريات التي جاءت بعده ولدت من انقلابات عسكرية وحملت خطابات تعد بالتجديد لكنها سرعان ما لجأت إلى العنف لتثبيت سلطتها. حتى أوصل عهد البعث هذه المعادلة إلى أقصاها حين أصبح الخوف هو القانون الوحيد وصارت الدولة قفصاً يطبق على الأنفاس. أنتج ذلك صورة رسمية لسلطة مركزية صارمة فيما ظل العمق الاجتماعي متشظياً يبحث عن سند في العشيرة أو المذهب أو الانتماء القومي. وما إن انهار الغلاف الحديدي بعد 2003 حتى تكشفت الحقيقة الوحدة التي رفعت شعاراتها لم تكن سوى ستار رقيق يخفي تعدداً متجذراً.
العشيرة ظلت راسخة في الحياة العراقية ولم تذب رغم كل محاولات الطمس، والهوية المذهبية بقيت حاضرة في الذاكرة رغم ما تعرضت له من تضييق، والانتماءات القومية استمرت تؤثر في الوعي من أقصى الشمال إلى الجنوب. هذه البنى لم تختف وإنما بقيت تنتظر اللحظة المناسبة التي جاءت بعد 2003 حين تراجعت الدولة خطوة إلى الوراء واندفع العراقيون نحو مرجعياتهم القديمة التي استعادت حضورها بقوة.
سرعان ما تعددت مراكز السلطة بين فصائل السلاح بمختلف أصنافها وانتماءاتها المكونية التي خرجت من رحم الحاجة إلى مقاومة المحتل من جانب ومن جانب آخر من الحاجة إلى الحماية في ظل فراغ أمني. كما استعادت العشائر دورها كملاذ اجتماعي حين فقد العراقيون ثقتهم بالمؤسسات الرسمية ودخلت المؤسسات الدينية إلى الساحة السياسية لا انطلاقاً من مشروع منظم لأن الفراغ ضغط عليها لتمثل جمهورها. أما الاحتلال الأميركي فعمق هذا الالتباس حين رتب خرائط النفوذ وفق حساباته الخاصة في تقاطع بين إرادة الداخل وضغط الخارج وانتهى إلى تكريس الفوضى والإرهاب وإضعاف المؤسسات القانونية لدرجة العجز بل تهشيم فكرتها في وعي الفرد العراقي.
ما تشكل لم يكن مجرد فوضى انتقالية بقدر ما كان إقامة ما يمكن تسميته "أناركية السلطة" بعد عام 2003. العراقيون وجدوا أنفسهم محاطين بسلطات متجاورة تتنازع النفوذ. القانون لم يعد واحداً وبقدر ما صار مرهوناً بمنطقة السيطرة والمركز لم يعد سوى رمزاً يرفرف في الخطب، أما الواقع فمحكوم بمراكز مختلفة تتصارع و لم يكن الأمر فراغاً سياسياً بقدر ما كان نظاماً موازياً يقوم على توازنات هشة بين قوى متنافرة مختلفة بالعقيدة والقومية والثقافة.
الدستور والانتخابات وفرا غطاءً شكلياً يذكر بمفهوم الدولة الحديثة غير أن الواقع ظل بعيداً عنه. فالولاء صار لقائد المجموعة أو لجماعة المذهب أو القومية والدين أكثر مما هو للوطن. الهوية الوطنية والمواطنة غابتا عن الذاكرة فيما باتت الشرعية تستمد من السلاح ومن القدرة على نهب إيرادات الدولة. أما السيادة فلا تستحضر إلا في موسم الانتخابات كشعار دعائي. فكرة الدولة كما عرفتها التجربة الأوروبية ـ دولة القانون والمؤسسات والحقوق والمواطنة لم تترسخ في العراق حتى الآن.
العراق بعد 2003 لم يكن سائراً نحو استقرار نهائي وإنما دخل مرحلة جديدة عنوانها التعدد السلطوي وصار العراقيون يعتادون على التعامل مع أكثر من مرجعية في آن واحد من جانب يعودون إلى العشيرة في شأن وإلى المؤسسة الدينية في شأن آخر ويخضعون للفصائل أو للأجهزة الرسمية بحسب الحاجة. الفوضى لم تعد استثناء وتحولت إلى قاعدة تحكم تفاصيل الحياة اليومية.
هذه الوضعية وضعت العراق في موقع ملتبس يصعب تصنيفه بين دول المنطقة. فهو ليس دولة منحلة بلا جغرافيا مرسومة ومعترف فيها، وليس دولة مستقرة تحت سلطة واحدة وانما اشبه بساحة سياسية واجتماعية تضمن سلطات سلطوية السلوك ومتصارعة فيما بينها مع وجود نظرة من قبل الخارج إليه كدولة تملك دستوراً وعَلَماً أما الداخل فيعيشه كساحة تتنازعها سلطويات كثر. هنا يتجلى جوهر التجربة العراقية التي لم يكن الأمر مجرد سقوط لدولة بقدر ما تحولها إلى أناركية سلطة دائمة تجمع بين بقايا الكيان الرسمي وأنماط قديمة لم تفقد جذورها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram