TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل نصر على تجاهل ركيزة التنمية؟

هل نصر على تجاهل ركيزة التنمية؟

نشر في: 21 أغسطس, 2025: 12:22 ص

د. محمد الربيعي

في لحظة بدت واعدة، دعيت الى تأسيس جامعات حكومية جديدة وتوسيع القائم منها، بهدف استيعاب اعداد متزايدة من الطلبة لغرض الحد من تمدد التعليم الاهلي الذي بات يهدد التعليم الحكومي المجاني بالتهميش. كان الامل ان تترجم هذه الدعوة الى خطوات مدروسة تعيد للتعليم الحكومي هيبته، لكن ما حدث كان صادما: استجابة الوزارة جاءت عبر تحويل المعاهد التقنية الى كليات جامعية، وكان الحل يكمن في تغيير المسميات لا في معالجة جوهر الخلل.
هذا القرار لا يمكن فهمه الا باعتباره امتدادا لنهج ارتجالي بدا في عهد الوزير علي الاديب، والذي ما زلت استغربه واستهجنه. اذ كيف يعقل ان ينظر الى التعليم المهني والتقني بهذه النظرة الدونية، وكأنه عبء يجب التخلص منه؟ ان تحويل المعاهد الى كليات لا يعد تطويرا، بل هو تهميش ممنهج لقطاع يعد في الدول المتقدمة ركيزة اساسية للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
السياسات التعليمية في العراق، للاسف، لا تولي التعليم المهني والتقني ما يستحقه من اهتمام. والمجتمع، بدوره، يكرس هذه النظرة، فيعتبره اقل شأنا من التعليم الاكاديمي، وهو ما ادى الى عزوف الطلبة عنه رغم اهميته الحيوية في رفد سوق العمل بالكوادر المتخصصة. كيف لنا ان نتحدث عن تنمية اقتصادية او نهوض صناعي في بلد يهمش التعليم الذي يعد في الدول المتقدمة ركيزة اساسية للنمو؟
اليوم، نشهد طوفاناً من شهادات البكالوريوس والدكتوراه، بينما نفتقر الى المهارات الوسطى التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج. الجميع يسعى الى شهادة عليا، بينما السوق يبحث عن مهنيين قادرين على العمل الفعلي. هذه المفارقة تنتج خللا بنيويا في سوق العمل، يتجلى في فقدان التوازن المهني حيث تجد فائض في حملة الشهادات العليا يقابله نقص حاد في الفنيين والتقنيين، مما يعطل قطاعات الانتاج والخدمات. كما نشهد تراجع الاهتمام بالمهن التطبيقية، فالتركيز على التعليم الاكاديمي يبعد الشباب عن التعليم المهني، الذي ينظر اليه بازدراء اجتماعي، رغم انه مفتاح الاقتصاد الحقيقي.
التحدي الاكبر اليوم هو كيف نعيد التوازن بين التعليم الاكاديمي والتعليم المهني؟ وكيف نقنع المجتمع والجهات الرسمية بان التعليم التقني ليس خيارا اقل شانا، بل هو مسار مواز لا غنى عنه؟ فالدول التي فهمت هذه المعادلة نجحت في بناء اقتصادات قوية، بينما نحن ما زلنا نفرط في احد اهم ادوات التنمية.
ان تحويل المعاهد التقنية الى كليات جامعية بجرة قلم لا يعد اصلاحا، بل هو تجاهل صارخ لحاجة العراق الى منظومة تعليمية متكاملة تراعي احتياجات السوق وتعزز من قيمة العمل المهني. فهل سندرك هذه الحقيقة قبل فوات الاوان؟ وهل سنكف عن اتخاذ قرارات مصيرية تمس مستقبل التعليم دون رؤية استراتيجية واضحة؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. نبيل ابو عمار

    منذ 6 شهور

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة. كما تفضلتم أهم شئ في تنفيذ الأعمال التقنية هو الكادر الفني التقني والذي هو عنوان تقدم البلدان المتطورة. المهندسين البارعين في تصاميمهم لايستطيعوا ان ينفذوا المشاريع الرائعة إلا بتوفر الكادر المؤهل لفهم التصاميم وتنفيذها.

  2. المهندس / عباس محمد حسون

    منذ 6 شهور

    أنا من المؤيدين وبقوة الى فكرتك دكتور محمد ، وهذا مايحقق البناء الهرمي المهني للمجتمع…. تحياتي

يحدث الآن

ثلاث ساعات حاسمة في جنيف.. ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟

النقل: طريق التنمية بلا فيتو.. إنجاز القناة الملاحية بالكامل

الاستخبارات تفكك شبكة من 4 متهمين وتحرر 3 ضحايا ببغداد

التخطيط: إصلاح الرواتب يتطلب رؤية تضمن الاستدامة المالية!

نيويورك تايمز: ضربة أميركية محتملة لإيران لفرض تنازلات نووية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram