TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الطائفية: قيدٌ كبّل العراق وأدمى معصمه

الطائفية: قيدٌ كبّل العراق وأدمى معصمه

نشر في: 24 أغسطس, 2025: 12:01 ص

د.خالدة خليل

لم تنجح الأنظمة المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 في تجاوز الطائفية أو التحرر من قيودها، بل بدا وكأنها، في كل مرحلة من مراحل التحولات السياسية، تعيد نسج هذه اللعنة وتغذيها بصيغ متجددة وأساليب متقنة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن للطائفية أن تُفهم بأنها مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هي بنية سياسية متجذرة في صميم الدولة منذ ولادتها. الدولة التي شُيّدت على مؤسسات رخوة تحت ظلال الانتداب البريطاني، حين أقصت الكورد والشيعة عن مفاصل القرار السياسي والأمني، لتتكرس لاحقًا أنماط القمع والإقصاء في عهد البعث، حيث تجسّدت في حملات الإبادة الجماعية ضد الكورد، وتلتها قمع انتفاضات جنوب العراق عام 1991، كاشفة عن عمق الهوة بين السلطة والمجتمع، وموضحة الشرخ الطائفي الذي أدمى جسد الدولة، وجعل نسيجها الوطني يئن تحت وطأة الألم والصراع المستمر.
وبعد عام 2003، حيث كان الأمل معقودًا على ولادة نظام سياسي يرتكز على التوازن والشراكة، ويشكّل التوافق البديل الحضاري للطائفية، وحيث تُصان الحقوق المتساوية لجميع المكونات، ويُبنى القرار السياسي على أسس الحوار والعدالة والمواطنة المشتركة، بدا وكأن العراق يشرع أخيرًا في فصل جديد من تاريخه، يضع حدًّا لعقود من القهر والإقصاء. إلا أن هذه التجربة، التي وُلدت على أمل الإصلاح والتحول الديمقراطي، انزلقت سريعًا إلى هاوية المحاصصة والفساد، فتحولت الطائفية إلى هوية بديلة، ومعيار لتوزيع النفوذ والموارد، ووضع العراق تحت وطأة الانقسامات الداخلية. والأكثر إيلامًا كان صعود تنظيم داعش عام 2014، الذي لم يكن إلا أخطر تجليات هذا الانقسام المزمن؛ إذ استغل التنظيم مشاعر التهميش ليجد له حواضن اجتماعية في مناطق عاشت سنوات من الغبن والإقصاء، قبل أن يرتكب أفظع المجازر بحق الإيزيديين والمسيحيين وغيرهم، ممثّلًا ذروة الكارثة التي يندى لها جبين الإنسانية.
وللتاريخ، فإن سقوط الموصل لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان الثمرة المرّة لإنقسام طائفي وسياسي مزّق النسيج الوطني، وأفقد الدولة سيطرتها، وفتح الأبواب على جحيم المجازر والخراب، مذكّرًا بأن غياب التوازن والشراكة والتوافق ليس خطأً عابراً، بل إرث مأساوي بسبب فشل المؤسسات وطغيان الطائفية.
واليوم، تتجلّى الحقيقة بوضوح لا لبس فيه: العراق لن يعرف الاستقرار ما لم تتحطم قيود الطائفية، تلك اللعنة التي لطالما أثقلت كاهل تاريخه، ويُبنى على أنقاضها نظامٌ للمواطنة الحقّة، حيث لا يُقاس الحكم إلا بالكفاءة، ولا يُقدّر القرار إلا بالعدالة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

 علي حسين اربعة اعوام مضت منذ أن جلس السيد لطيف رشيد على كرسي رئاسة الجمهورية ، وخلال هذه المدة لم يعرف المواطن العراقي ما هي المسؤوليات التي يقوم بها الرئيس ، فهو يظهر...
علي حسين

قناطر: في تعظيم المال الحكومي

طالب عبد العزيز إذا كان الفدرالي الأمريكي هو المتحكم بأموال العراق من مبيعاته النفطية الى أمد غير معلوم فالبلاد بحكم المريض بالخنق، المحجوب عنه الهواء، وهذا المغذِّي المعلق عند سرير الحكومي قابل للسحب في...
طالب عبد العزيز

الملامح غير المنظورة في الشخصية العراقية

د. يوسف حمه صالح تُعدّ دراسة الشخصية الوطنية من أكثر الموضوعات تعقيداً وإشكالية في علم النفس الاجتماعي والثقافي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع مرّ بتحولات تاريخية عنيفة، وصدمات سياسية واجتماعية متراكمة، كما هو...
يوسف حمه صالح مصطفى

الاقتصاد العالمي: هل يُعتبر عام 2025 درسًا اقتصادياً صعباً ؟

لورينزو ديلبيش ترجمة :المدى التعريفات الجمركية، والتوترات الجيوسياسية، والحرب الاقتصادية... عبارات سمعناها مرارًا وتكرارًا في الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي طوال العام. في مواجهة سيل التحديات التي حملها عام 2025،وقد حان الوقت لتقييم النمو...
لورينزو ديلبيش
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram