TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى :الشعرُ واحدٌ....

تلويحة المدى :الشعرُ واحدٌ....

نشر في: 11 مارس, 2011: 07:12 م

لعيبيتقرأ الهايكو الياباني، وشعر السونيتة الإنكليزي، وأشعار غجر الصرب، والموشحات اللأندلسية، وشعر الفيتنامي هوشي منه، وقصائد مايكوفسكي الروسي، وأشعار النساء البشتونيات، وقصائد الأطلس الأمازيغية والمعلقات العربية والشعر السومري والمتنبي ودوغي ولوتريامون والمعري وشعراء التروبادور وغير ذلك الكثير حتى تتأكد أن الشعر واحد بسياقات مختلفة.
قبل سنوات أعاد برنامج تلفزيونيّ إلى ذاكرتنا ديوان الشاعر الشعبيّ العراقيّ الحاج زاير (مطبعة "الغري الحديثة" كما نظن) والذي رأيناه بين يدي أحد المشتركين في البرنامج ممزقاً تالفاً لأنه، حسب معلوماتنا، لم يطبع بعد طبعته الأولى. أعاد البرنامج كذلك إلى ذاكرتنا أبياته الشهيرة:."يا صاح أنا أخوك لو جار الدهر صاحَ بكسكران بمحبتك ما يوم أنا صاحي بكانهضم لو شفت غيري من الخلق صاحبك ".لكن البرنامج جعلنا متيقنين أن الشعر واحد، إن رجفته الداخلية واهتزازات الروح في كلماته ويقين استعاراته الغامض والأريحية التي يبعثها في نفس المستمع تنبثق، كلها، من النبع نفسه، مهما كانت لغته أو لهجته، فصيحاَ كان أم شعبياً. أليس مظفر النواب الشعبي هو الدليل الباهر الآخر على ذلك؟.يقول ذلك اللحظة، الشاعر المدافع بتحفظٍ عن قصيدة النثر، المُحْتدِم السجال بشأنها، والتي يبتذل البعض وينبذ باسمها واسم حداثة مزعومة غير محدّدة المعالم، كلَّ ضربٍ آخر من الشعر سواها. وهنا ثمة وَهْمٌ ليس من براهينَ قوية عليه، بل أن الحاج زاير الشعبي يبرهن أن حقل الشعرية، مهما تنوّعت لكناته، إنما هو جوهرياً واحدٌ واحدٌ.هناك إذن حقل عريض للشعرية تنبت فيه شتلات وأزهار وأشواك كثيرة الأنواع، ذات جمال متفرِّع يشابه تنوُّع الجَّمال النسويّ الخارج من فصيلة متشعّبة، متضاربة. هذه المقاربة مبسَّطة غير أنها قد لا تكون بسيطة لأنها لا تقيم الحدود بين أنماط "الجماليات" وتتقصى، في اللحظة عينها، مواطن التقائها ومواضع افتراقها.درس الجماليات لا يفترض، عموماً، وجود قاعدة ثابتة "للجميل:، ويجده أحيانا في المشوَّه (بودلير) والمشوَّش (التصوير الفوتوغرافي) والغامض (الشعر الحديث) بل :القبيح"، يجده في الحامض والحامز والحلو والمالح والمرّ، في السواد أحياناً، وفي البياض، كما في منطقة التقائهما الرمادية. في تلك البقعة المذهلة التي تتماوج فيها الأنفاس والألوان والأرواح والكائنات السامية والمشوَّهة والخرافية والشعبية، وتتعانق فيها المتضادات واللغات والشعائر، ويحضر فيها الأحياء جوار الأموات، ويصير فيها الماضي والحاضر والمستقبل زمنا واحداً عجيباً. وتتعانق الصراخات والتأوهات والهمسات، الكلام والصمت، في نصٍّ واحدٍ. الشعر واحدٌ، صعب التعريف، ولا قاعدة نهائية له، كما يريد إقناعنا بعض المهمومين بالتقعيد المريح اليوم بشأن قصيدة النثر التي تُعتبر الشكل الشعري الأرفع والنهائي ذا القواعد الصارمة. يمرق الشعر الواحد، بصفته الغامضة والخيميائية تلك، عن التقعيد الثابت. إنه صيدلية تعالجنا بالسُّم والفاكهة في آن واحد، وعلى التناوب وبتداخل فذّ بينهما.لا يستطيع المهتمون بنمط وشكل ثابث للشعر تفسير ميلهم إلى قصائد أوروبية من القرن التاسع عشر، أو قصائد عربية من القرن العاشر الميلادي. لم يستطع أبداً جل الأدباء إشاحة وجوههم عن شعر آخر غير الشعر الذي يعتقدون أنه الأكثر حداثة بالمطلق. هنا فهم عربي إشكاليّ لمفهوم "الحديث" والحداثة" التي يُرتكب باسم الانضواء خلفهما بعض اللغط، إذا لم نقل تبرير القصور المعرفي أو اللغوي لصالح استسهالٍ لا مبرر له لتاريخ الشعر العربي والعالمي. لم يشح الأوروبيون المعاصرون باسم الحداثة وجوههم عن شعر هوميروس ولا فلسفة أرسطو ولا قصائد الإسباني لويس دي غونغورا، بل على العكس من ذلك، فطالما قاموا بإعادة قراءتهم تحت أضواء ومناخ ومزاج حديثات. شتان إذنْ بين فهْمٍ يهجر كل شعر سابق وآخر يعيد قراءته بدأب. وَعْيَان يؤشران في نهاية المطاف على مأزق خفيّ في الشعرية العربية الحالية وفي القراءات الجمالية السائدة، خاصة في مشرق العالم العربيّ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram