TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > متى يبزغ فجر التغيير السياسي؟!

متى يبزغ فجر التغيير السياسي؟!

نشر في: 7 سبتمبر, 2025: 12:02 ص

د.خالدة خليل

التغيير السياسي لا يحدث بضغطة زر، ولا يولد بين ليلة وضحاها، ولا ينشأ من فراغ، ولا يُنجز صدفة؛ بل يحدث حين تكتمل شروطه وتتراكم أسبابه، وعندما يبلغ القوس منتهاه ليُطلق سهمه. عندها يتصدع جدار الخوف، وتفقد السلطة آخر خيوط شرعيتها، وتُفتح أبواب التاريخ على مصراعيها، ليشرق زمن جديد من بين الركام والحطام.
وذلك لا يعني البتّة أن يكون التغيير مجرّد هدمٍ بلا بناء؛ فالهدم قد يقع في لحظة خاطفة، أمّا البناء فيحتاج إلى صبرٍ عميق، ووعيٍ متقد، وزمنٍ كفيل بترسيخ أركانه. فالتغيير الحقيقي أشبه برحلةٍ طويلة، تبدأ من الفكر وتنتهي بالفعل المتواصل مرحلة مرحلة، بعيدًا عن التسرّع والاندفاع، لتغدو إرادة الشعوب قوة لا تُقهر، وإشارة فارقة على ولادة عصرٍ جديد، حين يقترن المسار برضاها واحتضانها له.
ومن هذا المنطلق، فإن التغيير لا يُمنح للشعوب هدية، ولا يُشيَّد على وعود خاوية؛ إذ ليس منحة تُعطى، ولا أملًا يُذرَى في سراب، بل هو حتمية تاريخية تنبثق من صميم إرادة الشعوب حين تنهض.
غير أنّ النهوض لا يُختزل في شعارات تُرفع في الساحات، ولا في هاشتاغاتٍ تتطاير على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو مسار ممتد يبدأ بتحوّلٍ عميق في الوعي، قبل أن يتجسد في فعل سياسيٍّ متين يُشيّد دعائمه.فالتغيير الحقيقي لا تصنعه وحدها هبّات الجماهير، مهما تعاظم صخبها واشتد زخمها، بل لا بد أن تُدار هذه الطاقات الشعبية بعقول قيادية تمتلك حكمة التفكير الهادئ، ورؤية الخطة المحكمة، وعزيمة العمل المتواصل، بعيدًا عن نزق الارتجال وانفعالات اللحظة، لتسمو فيها المصلحة العامة فوق كل مصلحة ضيقة أو نزعة شخصية.
وفي بلدان الشرق الأوسط، لا يمكن تصور أي تحوّل سياسي بمعزل عن العواصف الإقليمية والدولية. فالمنطقة ليست ساحة مستقرة أو خالية من التوتر، بل خضماً للصراعات وشبكة معقدة من المصالح المتشابكة، تتصارع فيها القوى الكبرى وتُدار معاركها عبر أدوات محلية وكيانات تعمل بالوكالة في كثير من الأحيان.
وفي قلب هذا الاشتباك تتحوّل إرادة الشعوب إلى ساحة اختبار يُقاس فيها صمودها وقدرتها على البقاء. وغالبًا ما يحتاج هذا الصمود إلى تمهيد ودعم حتى يبلغ النضوج منتهاه، حين تدرك الشعوب أن خلاصها مرهون بانتزاع نظام انهار من الداخل، وحين تتصدع قواعد الحكم وينكشف زيف الممارسات، عندها يبزغ فجرٌ جديد معلنا عن ولادة تحوّل استراتيجي.
فالشعوب تبحث أولًا عن الاستقرار والعيش الكريم في دولة تحمي حقوقها وتكفل واجباتها، حيث يعي كل فرد دوره ويتمتع بحقوق مواطنته الكاملة. كما أن الشعوب لا تنسى أبدًا من باعها في سوق المصالح، والتاريخ لا يغفر لمن استهان بإرادتها، مهما طال الزمن أو اشتد الظلام!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram