TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > القضاء بين الإرث التاريخي والتحديات الراهنة

القضاء بين الإرث التاريخي والتحديات الراهنة

نشر في: 10 سبتمبر, 2025: 12:02 ص

عصام الياسري

يمثل القضاء أحد أهم الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ليس فقط بوصفه جهازا للفصل في النزاعات، بل باعتباره المؤسسة التي تمنح الشرعية لوجود الدولة وضمانتها في حماية الحقوق والحريات العامة فالدولة التي لا يستقل قضاؤها ولا يحترم قضاتها سرعان ما تفقد هيبتها ومشروعيتها، وتتحول مؤسساتها إلى أطر شكلية لا تصمد أمام الضغوط الاجتماعية والسياسية.
ويكتسب الحديث عن القضاء في العراق بعدا استثنائيا، إذ يعد العراق أول أرض دونت القوانين في التاريخ عبر شريعة حمورابي، التي رفعت شعار العدالة وحق الإنسان في محاكمة منصفة منذ ما يقارب أربعة آلاف عام. هذا الإرث القانوني العريق يمنح العراق مسؤولية مضاعفة في بناء سلطة قضائية مستقلة قادرة على حفظ السلم الأهلي وصون سيادة الدولة، لكنه في الوقت ذاته يكشف المفارقة المؤلمة بين الماضي المشرق والواقع المعاصر المثقل بالأزمات.
لم يكن تدوين القوانين في العراق القديم مجرد خطوة حضارية، بل كان إعلان واضح عن إدراك مبكر بأن العدالة هي أساس العمران والاستقرار. فقد نصت شريعة حمورابي على حماية الضعفاء من استبداد الأقوياء، وحددت قواعد واضحة لتوزيع الحقوق والواجبات. وفي الحقبة الإسلامية، برز القضاء كسلطة موازنة في المجتمع، حيث شكلت مؤسسة "قاضي القضاة" ومحاكم المظالم نماذج مبكرة للرقابة على الحكام والولاة، انسجاما مع المبدأ القائل بأن "العدل أساس الملك". أما في الدولة العراقية الحديثة منذ عشرينيات القرن الماضي، فقد تأسست محاكم مدنية وجزائية وإدارية متأثرة بالنموذجين العثماني والأوروبي، وأسهمت في بناء تقاليد مهنية وقانونية. غير أن هذه التجربة واجهت انتكاسات خطيرة مع الانقلابات العسكرية والحروب الطويلة والعقوبات الدولية، ما أضعف استقلال القضاء وأدخله في تجاذبات السياسة...
ورغم الجهود والآراء التنويرية التي بذلها أصحاب الفكر والقانون بعد 2003 لإعادة بناء النظام القضائي، فإن الواقع الراهن يكشف عن أزمات معقدة جعلت القضاء أمام اختبار مصيري: تسييس وتدخلات حزبية وتشكيلات تهدد حياد القضاة وتضعف الثقة العامة بهم، انقسامات مجتمعية طائفية واثنية تجعل من مهمة إرساء العدالة الشاملة أكثر صعوبة وتعقيدا. القرارات القضائية تبقى بلا أثر بسبب نفوذ سياسي أو سطوة جماعات مسلحة لم تواجه بإجراءات صارمة. الفساد الإداري والمالي يهدد شرعية المؤسسة القضائية نفسها كما يزيد من فقدان الثقة الشعبية والشعور بعدم المساواة أمام القانون. ضعف تنفيذ الأحكام بحق الجناة والفاسدين مما يدفع الأفراد للجوء إلى الأعراف أو قوى خارج إطار الدولة لتحقيق سطوتهم بقوة المال والسلاح.
إن التراجع في استقلال القضاء في العراق لا يعني مجرد خلل إداري أو قانوني، بل هو تهديد مباشر لأمن الدولة ووحدتها. ففي غياب سلطة قضائية فاعلة: تنتشر الفوضى الانتقامية وتتعزز سلطة السلاح على حساب سلطة القانون. تنهار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. تتراجع شرعية النظام السياسي برمته... وبذلك يصبح إصلاح القضاء ليس مجرد مطلب حقوقي أو إصلاحي، بل شرطا وجوديا لبقاء الدولة العراقية.
خاتمة: يواجه العراق اليوم تحديا وجوديا يتجاوز السياسة اليومية لغياب البعد القانوني الضامن لسيادة القانون والرقابة على السلطتين التشريعية والتنفيذية وحماية الحقوق الدستورية. تجلى باتخاذ إجراءات مركبة في قضايا خطيرة، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- "اتفاقية خور عبدا لله العراقي حريق مول الكوت وأخيرا، جريمة قتل الطبيبة بأن زياد طارق". أوكلت، أي هذه الإجراءات، سؤال الدولة نفسها: هل يمكن للعراق أن يستعيد دوره التاريخي كأرض العدالة الأولى؟. إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بقدرة العراقيين على بناء قضاء مستقل وفاعل، يعيد الاعتبار لرسالة حمورابي في إتجاه جوهرالعدالة وتحقيق مبدأ أن الدولة لا تقوم إلا بالعدل كمفهوم فلسفي وسياسي عميق يتعلق بأساس شرعية الدولة واستمراريتها، وأن الحرية لا تصان إلا بقاض مستقل يصون القانون ولا يخشى في الحق لومة لائم...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ذي قار ترفع أكثر من 12 ألف مقذوف حربي خلال 2025 والخطر ما زال قائماً

صور|تحضيرات معرض "المدى" الاستثنائي لدعم ثقافة القراءة

غاز الشمال يحقق فوزه الثاني ويواصل تألقه في البطولة العربية للسيدات

العراق تاسعاً عربياً بمتوسط الرواتب الشهرية في 2026

"فرقة كوماندوز" قتلت سيف الإسلام القذافي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

 علي حسين قبل أكثر من نصف قرن، شاهد العراقيون من على شاشة تلفزيونهم الأبيض والأسود، الشاعر المصري أحمد رامي الذي ارتبط اسمه بكوكب الشرق أم كلثوم، وهو يلقي بمعطفه في الهواء منتشيا بصوت...
علي حسين

قناطر: زيادة عدد السكان تهدد مشاريع الخدمات

طالب عبد العزيز لنسلم(غصبن علينه) بأنَّ الأراضي الزراعية المحيطة بضفتي شط العرب خرجت رسمياً من كونها بساتين ومزراع نخيل، لا بسبب لسان الماء المالح الذي ما زال يلغ في شط العرب؛ وإنما لأنَّ الأراضي...
طالب عبد العزيز

تغييب التراكم المؤسسي وتحويل التوأمة العلمية الى سلعة استهلاكية

محمد الربيعي * تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة...
د. محمد الربيعي

السياسة الجديدة

يعقوب يوسف جبر بسبب المتغيرات الجيوسياسية في العراق خصوصا ومنطقة الشرق الأوسط عموما، ثمة تحولات جذرية سيشهدها الواقع السياسي في العراق من ابرزها تشكيل الحكومة الجديدة، بشكل مغاير تماما للحكومات التي سبقتها. فالقوى السياسية...
يعقوب يوسف جبر
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram