TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العراق: المنصب الدبلوماسي مكافأة لا استحقاق

العراق: المنصب الدبلوماسي مكافأة لا استحقاق

نشر في: 15 سبتمبر, 2025: 12:03 ص

جورج منصور

اثار انتباه العراقيين خبر تصويت البرلمان على قائمة السفراء الجدد، إذ إن معظم من شملهم التصويت لتمثيل العراق في 93 دولة لا يملكون أي خبرة دبلوماسية، ولا يحملون مؤهلات أكاديمية مناسبة. المفارقة أنَّ "المؤهَّل" الأبرز لدى كثير منهم هو قرابتهم أو ولاؤهم للأحزاب والكتل السياسية المتحكَمة بالسلطة.
تذكرتُ هنا تصريح الحاكم لمدني للعراق بعد 2003 بول بريمر في مقابلة أجراها مؤخراً مع الصحفي السعودي مالك الروقي، حين قال: كنت محظوظاً بالسياسيين العراقيين الذين عملوا معي بعد سقوط نظام صدام حسين. "لم ألتقِ بسياسيين حقيقيين، بل بأشخاص يفتقر أغلبهم للخبرة، بعضهم كان يسعى وراء المال، وبعضهم الآخر أضاع وقتي لا أكثر".
وكما جرت العادة، جاءت هذه التعيينات وفق نظام المحاصصة الطائفية الذي تبنته الطبقة السياسية الحاكمة منذ 2003، وهو نظام ألحق أضراراً جسيمة بسمعة العراق وتاريخه ومكانته بين الأمم، وأصبح عقبة كبرى أمام تقدمه وازدهاره.
في عالم الدبلوماسية، السفير ليس مجرد موظف عادي، بل هو "وجه الدولة" وناطقها الرسمي، وصانع جسور بينها وبين البلد المضيف. الدبلوماسية الحقيقية تقوم على الكفاءة والثقافة والقدرة على تمثيل الوطن بجدارة. غير أن الواقع العراقي اليوم يشي بمشهد مغاير؛ فقد تحوَّل المنصب الدبلوماسي في كثير من الأحيان إلى مكافأة سياسية أو محاصصة حزبية، أكثر منه استحقاقاً مبنياً على الخبرة والجدارة.
هذا الخلل انعكس على صورة العراق في الخارج، فكثيراً ما يجد المواطن العراقي نفسه أمام سفراء يفتقرون إلى أبسط أبجديات العمل الدبلوماسي. وبدلاً من بناء شبكة علاقات مؤثرة مع صانعي القرار في الدول المضيفة، ينشغل بعضهم بخدمة مصالح أحزابهم أو الاكتفاء بالظهور البروتوكولي في المناسبات الرسمية. والنتيجة: ضياع فرص استثمارية وثقافية وسياسية، كان يمكن أن تعزز موقع العراق الدولي.
الدبلوماسية ليست مكاناً للتجريب ولا محطة للترضية. فهي ساحة تحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، يجمعون بين العمق الثقافي والوعي السياسي والقدرة على التكيف مع بيئات معقدة. أما الزج بأشخاص غير مؤهلين في هذه المواقع الحساسة، فهو لعمري، إساءة للعراق وصورته وهيبته على المسرح الدولي.
إن إصلاح وزارة الخارجية يبدأ من إعادة الاعتبار للكفاءة، وإبعاد المحاصصة عن المناصب الدبلوماسية. فالعراق لا ينقصه الكفاءات، لكنه بحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعيد للدبلوماسية هيبتها، ويجعل من سفاراته منصات فاعلة، لا عبئاً على الدولة.
في العالم الدبلوماسي، يُعد السفيروجه الدولة الرسمي، ولا يُنتقى لمنصبه إلا من يجمع بين الخبرة، والوعي السياسي، والقدرة على التمثيل اللائق. لكن الواقع العراقي يعكس أحياناً تحوّلاً مأساوياً: تُكسب المناصب كجوائز أو مكافآت سياسية، بعيداً عن الكفاءة والتمثيل المشرف.
هذه الحالات ليست وقائع فردية، بل هي نتيجة طبيعية لنهج اعتمد بشكل متزايد على التعيين السياسي بدل الجدارة، ما حول السفارات من أدوات قوة ناعمة إلى منصات عبثية، تُساء فيها إدارة صورة العراق أمام العالم. والسفير في الأغلب ليس ضحية، بل مرآة لعجز النظام في حماية مصالح الدولة وتمثيلها بمصداقية.
هكذا هي الأمور، حينما تضع الطبقة الحاكمة في العراق مصالحها الضيقة فوق مصالح الوطن والشعب، حيث يصبح الحكم مجرد وسيلة لتقاسم النفوذ والموارد، لا مشروعاً لبناء دولة عادلة. فالسياسة التي كان من المفترض أن تكون ساحة لخدمة الناس، تحولت إلى مضمار للمساومات والمحاصصات، حيث يُقدَّم الولاء الحزبي والطائفي على حساب الكفاءة والنزاهة، ويُستبعد كل من يملك مشروعاً حقيقياً للإصلاح أو التغيير.
لقد انعكست هذه الذهنية على مجمل الحياة العامة؛ الأقتصاد يعيش على الريع النفطي بلا خطط تنمية حقيقية، فيما تتراجع القطاعات الإنتاجية. والخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة وتعليم بقيت متعثرة رغم مليارات الدولارات التي صُرفت. والمؤسسات أُضعفت عمداً، فصار الموظف والمواطن رهينة شبكات المحسوبية والفساد.
الطبقة السياسية الحالية، وهي تراكم امتيازاتها، تُمعن في تجاهل حقيقة بسيطة مفادها، أن استمرارها بهذا النهج يعني انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، ويدفع نحو مزيد من الانقسامات والاضطرابات. فالشعب الذي يرى ثرواته تُهدر ومصالحه تُداس، لا يمكن أن يبقى صامتاً إلى الأبد.
إن العراق، بتاريخ حضارته العريق وطاقاته البشرية الشابة، لا يستحق أن يُدار بهذه العقلية الضيقة. ما يحتاجه هو مشروع وطني جامع يعيد للدولة هيبتها ولمؤسساتها فعالياتها، مشروع يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. غير أن السؤال الملح يبقى: هل تستطيع الطبقة الحاكمة أن تتخلى عن أنانيتها وتلتفت إلى مستقبل البلاد، أم أنها ماضية في طريق يقود الجميع إلى المجهول؟
ففي العراق اليوم، لم تعد السلطة وسيلة لبناء دولة عادلة، بل تحولت إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب المتنفذة وفق منطق المحاصصة والفساد. إن الطبقة الحاكمة وضعت مصالحها الضيقة فوق كل اعتبار، فصارت ثروات البلد تُنهب باسم الديمقراطية، ومؤسسات الدولة تُعطَّل كي تبقى تحت رحمة الولاءات الحزبية والطائفية.
هذه السلطة أثبتت أنها خصم مباشر للشعب، لا ممثل له. فهي لم تبنِ دولة، بل أنشأت شبكات فساد تتحكم بكل مفاصل الحياة. وحين يطالب الناس بحقوقهم، يُقابلون بالقمع أو الإهمال أو الوعود الكاذبة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد فشل إداري أو ضعف في التخطيط، بل هو جريمة سياسية مكتملة الأركان، ارتكبتها الطبقة الحاكمة بحق بلد وشعب. فالعراق يُدار بعقلية المافيات لا بعقلية رجال الدولة، ولهذا تتفاقم الأزمات بدل أن تُحل، ويستمر النزيف بدل أن يتوقف.
وإذا استمرت هذه السلطة في تجاهل صرخات الناس ومصالح الوطن، فإنها لا تفعل سوى دفع البلاد نحو مزيد من الانهيار وربما الانفجار. التاريخ لن يرحم، والشعب كذلك لن يسكت إلى الأبد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. Ibrahim Haron

    منذ 4 شهور

    النظام السياسي في العراق لم يترك شيئا، إلا وكانت رائحة الفساد تأتي من النتائج في الأدارة السيئة لمفاضل الدولة، وأخرها تعيين السفراء غير الكفوئين للمناصب عليا تمثل وجه البلد الحضاري، فالسفراء الذين تم تعينهم لم يكن وفق الضوابط الدولية المتعارف عليه عالميا

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram