TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الانْتخابات البرْلمانيَّة العراقيَّة.. بَيْن جَوهَر الدِّيمقْراطيَّة وَخطَر التَّزْييف

الانْتخابات البرْلمانيَّة العراقيَّة.. بَيْن جَوهَر الدِّيمقْراطيَّة وَخطَر التَّزْييف

نشر في: 16 سبتمبر, 2025: 12:02 ص

عصام الياسري

تعد الانتخابات البرلمانية في أي دولة مدنية أو نظام ديمقراطي حقيقي حجر الزاوية، كونها الأداة التي من خلالها تتجسد إرادة الشعوب ويمارس المواطنون حقهم في تقرير مصيرهم عبر اختيار ممثليهم، ومن دونها، تفتقر الحياة السياسية إلى الشرعية وتتحول مؤسسات الحكم إلى كيانات بيروقراطية منفصلة عن هموم الناس وطموحاتهم في التكوين والاستقرار.
لكن ما يضفي على الانتخابات معناها الحقيقي ليس مجرد تنظيمها، بل الكيفية التي تجرى بها، والمبادئ التي تحكمها، والضمانات التي تحيط بها. فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الحكم الرشيد والمشاركة السياسية الحقة والتداول السلمي للسلطة.
من هنا نسأل: ما أهمية المجالس النيابية "البرلمان" في بناء الدول وتطور المجتمع؟
في المجتمعات المدنية الحديثة، تمثل البرلمانات المنتخبة منابر تشريعية ورقابية أساسية وفاعلة، تحرص على توازن السلطات وتدافع عن الحقوق والحريات العامة. وتتيح الانتخابات للمواطنين فرصة دورية لتقييم أداء الحكومات، وتجديد النخبة السياسية، وتصحيح المسارات الاقتصادية والاجتماعية. إنها عملية سياسية واجتماعية بامتياز، تدفع باتجاه الاستقرار والتنمية عندما تكون نزيهة وشفافة، وتمنح الثقة للمواطن في مؤسسات الدولة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد بين الحاكم والمحكوم.
لكن، للانتخابات مبادئ ومعايير يجب أن تقوم عليها، لضمان أن تكون الانتخابات أداة للتقدم لا أداة للهيمنة، وأن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها: النزاهة والشفافية: بحيث تدار العملية الانتخابية من قبل هيئة مستقلة ومحايدة، تضمن فيها رقابة فعالة من قبل المجتمع المدني والمراقبين المحليين والدوليين. أيضا، الحرية والتعددية التي من خلالها توفير بيئة سياسية وإعلامية تتيح حرية الترشح والانتخاب، وتعدد الخيارات، والتعبير عن الرأي دون ترهيب أو قمع. مع توفر العدالة وتكافؤ الفرص بما يشمل الحملة الانتخابية، ومنها التغطية الإعلامية، وتوزيع الموارد الدعائية، والوصول المتكافئ للناخبين. والمهم، وهو من أساسيات إدارة الانتخابات، "الشمول": عبر ضمان مشاركة جميع فئات المجتمع، لا سيما النساء والشباب والأقليات، وتمكينهم من التعبير الحر والمباشر عن إرادتهم.
ورغم وضوح هذه المبادئ، فإن واقع الحال في عدد من الدول ومن بينها "العراق" تتحول فيها الانتخابات في كل مرة إلى أداة للهيمنة وتزوير إرادة الناخبين، يشي ذلك بانحراف خطير لمبدإ السيادة الشعبية، حيث تحتكر أحزاب السلطة الانتخابات وتوجيه نتائجها بما يخدم مصالحها وإفراغ العملية الانتخابية كأداة سلمية لانتقال السلطة من مضمونها الديمقراطي. في هذه الحالة، تتحول الانتخابات إلى مشهد شكلي يستخدم لتزيين الاستبداد، ويسهم في تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة. والأخطر، تكريس ثقافة الحكم الفردي وتعطيل مسار التطور السياسي والاجتماعي. وقد تفضي مثل هذه الممارسات إلى أزمات سياسية مزمنة، وفقدان الثقة في الدولة، وانفجار الاحتجاجات، التي قد تؤدي إلى انهيار النظام السياسي برمته.
العراقيون، بعد تجربة سياسية مركبة لعقدين من الزمن، أصيبوا بالإحباط حد أنهم، فقدوا الثقة بنزاهة الانتخابات وبالطبقة السياسية وأحزابها القائمة على إدارة الدولة والأخطر، أنهم تكيفوا مع عدم التساؤل، أو كيف يمكن مواجهة التزوير والطبقة السياسية واحتكارها للعملية الانتخابية؟. لأنهم باتوا يدركون، بأن الانتخابات المزورة بحد ذاتها أخطر من مقاطعتهم للانتخابات، لأنها تخدع الناس وتفرغ الديمقراطية من مضمونها. كما وأن مواجهتها تتطلب صبرا، شجاعة، وتنظيما واسعا من معارضة سياسية حقيقية يفتقر العراق إليها.
فالشعب الذي يقمع وفق قوانين تمضي "الحاكمية الطائفية" الشيعية السنية الكردية، منذ اعتلاها دفة الحكم، سبيل تؤليها أو تجييرها كما يحلو لها ـ يدرك، بأن صوته يستحق أن يسمع، وأنه ليس مجرد رقم في مسرحية سياسية لم تنتج سوى أزمات تلو الأخرى فيما البلد يتجه نحو الانهيار بالكامل ولم يبق للأجيال القادمة سوى تحمل آثاره...
في كل الأحوال، من واجب المجتمع، التصدي لتزييف الإرادة الشعبية، عبر جملة من الأدوات ومن أهمها: تعزيز الوعي السياسي المدني من خلال العمل على وحدة الحركة الوطنية ومساندة منظمات المجتمع المدني لها، تكثيف حملات التوعية بحقوق الناخبين وممارسة الضغط الشعبي مثل تنظيم المظاهرات وحملات المقاطعة أو التصويت العقابي، والأهم، العمل الإعلامي والحقوقي المهني عبر توثيق الانتهاكات وكشفها للرأي العام المحلي والدولي وتشجيع وسائل الإعلام الحرة على فضح محاولات التزوير واللجوء إلى الرقابة الدولية والضغط القانوني من خلال بدائل سياسية تدريجية: كإنشاء جبهة وطنية واسعة من أحزاب ونقابات واتحادات مستقلة، يمكنها استثمار تلك الأدوات للضغط من أجل الإصلاح وأن تكون قادرة على قيادة التغيير على المدى المتوسط والبعيد...
إن الانتخابات البرلمانية ليست مجرد ممارسة دورية، بل هي امتحان حقيقي للديمقراطية، ومعيار لمدى احترام الدولة لإرادة مواطنيها وعندما تحترم الدولة ومؤسساتها الحصرية هذه الإرادة، تتقدم الأمم وتزدهر، أما عندما تزور، فإنها تفقد جوهرها، ويتحول البرلمان من ممثل للشعب إلى واجهة للسلطة ومن يمثلها من أحزاب لا يهمها إلا تحقيق مصالحها وفرض إرادتها.
من هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على نزاهة الانتخابات لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل أيضا على كاهل المواطن والمجتمع المدني والنخب الفكرية والسياسية بمن فيهم (الأغلبية الصامتة) التي تتحمل ما حل في العراق بسبب الهروب من تحمل المسؤولية. فالحرية، أبدا، لا تمنح، بل تنتزع، والكرامة السياسية لا تبدأ من صندوق اقتراع. بل لا تزال هناك قنوات يمكن اللجوء إليها لتحقيق نتائج أكثر فعالية، حتى لو كانت محدودة فهي جزء من حراك لأي تغيير لاحق... وقد تفتح أبوابا أخرى عبر بناء كيانات سياسية فاعلة بديلة تنمو ببطء ولكن بثقة داخل المجتمع ورغبته لإعادة الثقة بنفسه...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram