TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: في الناصرية: (أحرقها وأحرق روحي)!

قناطر: في الناصرية: (أحرقها وأحرق روحي)!

نشر في: 17 سبتمبر, 2025: 12:04 ص

طالب عبد العزيز

أرأيتم الرجل الذي أحرق عربته(الستوتة) أمام رجال شرطة المرور في مدينة الناصرية، أسمعتم صياحه وهو يصرخ(أحركها ولا أنطيكم إياها وأحرك روحي والله) وكيف لم يستطع الشرطي منعه!، أرأيتم كيف كانت النار تلتهم عربته، أسمعتم نداء الذين حوله؟ وهو يكبرون فيه روح الحرق تلك؟ ترى، لماذا، وكيف والى أين، ومن يقف وراء المشهد المريع هذا؟، ولماذا أصرَّ الرجل على حرقها وقد فعل؟
شخصياً، أنا معه وهو يحرقها، إذْ، لم يكن الرجل الوحيد، صاحب دراجة أو ستوتة أو سيارة الذي أقدم ويقدم على حرق ما يقوده، وما اشتراه مستدينا ومعوزا وجعله سبباً لمعيشته، هناك العشرات والمئات من الذين أقدموا أو همّوا بالحرق، في ردود أفعال توازي ما يتعرض له هؤلاء المساكين على ايدي شرطة المرور ومفارز التفتيش التي تنصب الكمائن لهم بين الحين والأخر بدعوى تسجيل المركبات، هذه الآلية القبيحة، التي لا تمتُّ بأيِّ صلة لشرع وقانون، والتي تكشف عن فساد الدوائر المعنية، ومن ثم طريقتها في ابتزاز الناس والاستحواذ على أموالهم وممتلكاتهم.
أقدم الرجل على حرق عربته لأنه يعلم كل العلم بأنه سيلاقي الامرين باسترجاعها، وسيدفع الى مركز الشرطة ورجل المرور ما كده واستحصل عليه في النهار والليل لهم، أولئك الذين سيضطر الى استدرار عطفهم وتملقهم، وتسويفهم لأن كلمة (جيب مستمسكات واستنسخ الجنسية وتعال باجر) ستجعل منه كافراً باليوم الذي ولد فيه بالعراق، وسيتاسف على كل لحظة وقف فيها يصفق ويهتف (عاش العراق) أحرقها، وهمَّ باشعال النار بجسده لأنه يعرف أنه لن يستعيدها ثانية إلا بدفع نصف أو أكثر من ثمنها غرامات ورسوم وضرائب.
أعرف شاباً يعمل بالاجور اليومية في مطعم صغير بالبصرة، يستخدم دراجته النارية في ذهابه وإيابه اليومي، وحدث أنْ أوقفته مفرزة للشرطة، فقدَّم لهم ما عنده من وثائق، لكنهم احتجزوه والدراجة، وبعد الأيام والليالي تبين أنَّ الدراجة قديمة، وفيها من العطلات ما فيها وهي بسعر لا يتجاوز الـ 150 الف دينار، لكنَّ الشرطة لن تفرج عنها إلا بدفع الغرامات والرسوم ووو التي بلغت أكثر من 400 الف دينار، فتركها لهم!!
ترك الرجلُ دراجته في مركز الشرطة، بعد خروجه، ولم يرجع يطالب بها، وهي الى اليوم هناك، وربما بيعت بالمزاد العلني الذي تقيمه دائرة المرور بين الحين والأخر، وذهبت فلوسه الى جيب أحدهم، وربما فككها الحراس آخر الليل، وباعوا ما ينتزع منها، لكنني، كلما التقيته ودار الحديث عن دراجته اسمعه يقول: ليتني أحرقتها، أحرقوا قلبي والله. لم يتوقف الامر عند هذه حسب إنما لم يتمكن من استرجاع بطاقته المدنية، التي أخذت منه في مركز الشرطة، لأنَّه ملَّ وسئم من(تعال باجر والضابط ما موجود) هو الآن يعمل على استحصال (بدل ضايع) لهويته المدنية، فحصوله على البدل الضايع أسهل من مراجعته ووعود رجال مركز الشرطة الكاذبة.
تتكرر الحادثة هذه شهرياً وسنوياً، وفي كل مدينة في الوسط والجنوب العراقيين، ووزارة الداخلية ومراكز الشرطة والحكومة كلها شاهدت وسمعت وتشاهد وتسمع لكنَّ أحداً ما لم يفكر بحال هؤلاء الذين يضطرون الى حرق عرباتهم ودراجاتهم وستوتاتهم، والبحث في الأسباب. كان يمكن تجاوز ذلك كله والحد من غضب الناس وشيوع الفساد أن يصار الى تسجيل المركبات تلك وعلى وفق آلية معينة لا تتجاوز الساعة والساعتين من الزمن بين البائع والمشتري والمرور يتم بموجبها التسجيل ودفع الرسوم والضريبة والاجازة والرقم وينتهي الامر. هل نحتاج الى معجزة سماوية لتحقيق ذلك، فيما يتم إصلاح عطلات المركبات الفضائية من الأرض، أم أنَّ آلة الفساد ماتزال تستمتع بحرق الدراجات وحرق الانفس، في بلاد تغرق كل يوم ببحر خرابها؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram