TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ما هي الحقيقة حول وضع الاقتصاد الأمريكي؟

ما هي الحقيقة حول وضع الاقتصاد الأمريكي؟

نشر في: 22 سبتمبر, 2025: 12:02 ص

هنري لوباج

ترجمة : عدوية الهلالي

لعدة أسابيع، ازداد انحدار منحنى العائد الأمريكي ،ويرى العديد من المعلقين - وخاصةً المتخصصين الفرنسيين - أن هذا «انحدار هابط»، وهو، كما يقولون، علامة على توقعات تضخمية تؤكد سيناريو التباطؤ الاقتصادي المعتدل والمؤقت الذي يدعو إليه اقتصاديو الاحتياطي الفيدرالي. لكن الأسواق في الواقع تروي قصة مختلفة تمامًا.
في الواقع، هذا ما يُسمى “انحدار صاعد”: وهي حالة تنخفض فيها أسعار الفائدة قصيرة الأجل بوتيرة أسرع بكثير من أسعار الفائدة طويلة الأجل. وهذا التكوين نموذجي للمراحل التي يكون فيها الاقتصاد في حالة ركود بالفعل. وهو يعكس توقع تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة مفروضة على البنوك المركزية بسبب التباطؤ. بمعنى آخر، سوق السندات غير قلقة بشأن التضخم: إنها تشهد بالفعل انخفاضًا حادًا في النشاط.
ويربط “منحنى بيفريدج” (وهو أقل شهرة بكثير من نظيره “منحنى فيليبس”) معدل البطالة بعدد الوظائف الشاغرة فخلال فترة التوسع، تعلن الشركات عن العديد من الوظائف الشاغرة: بطالة منخفضة، وشواغر عالية ،وعندما يتباطأ النمو، تنخفض الشواغر، ويستقر المنحنى.وإذا بدأ التباطؤ، تحدث خسائر صافية في الوظائف: أي ارتفاع في البطالة.
هذا بالضبط ما تُظهره المراجعات الأخيرة لمكتب إحصاءات العمل:لقد فقد الاقتصاد الأمريكي وظائف في حزيران وتموز2025. ويُقرّ الاحتياطي الفيدرالي نفسه، من خلال أحد رؤسائه، كريستوفر والر، الآن بأن سوق العمل لم يعد يتباطأ فحسب، بل دخل مرحلة انكماش.
ووراء المنحنيات، فإن انكماش الدخل الحقيقي هو العامل الأساسي في تأجيج الأزمة ، إذ تجذب سلاسل متاجر التخفيضات الآن أسر الطبقة المتوسطة بشكل كبير، غير القادرة على مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة.ويتراجع استهلاك الخدمات، بينما تعكس مشتريات السيارات ذعرًا متوقعًا بدلًا من تجدد الثقة.وفي كندا، نما الدخل المتاح للإنفاق بنسبة +1.3% فقط في الربع الثاني من عام 2025، وهي أضعف وتيرة له في عامين، بينما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.6%.
وتُظهر هذه البيانات أن الأسر تُقلل إنفاقها ليس من باب الحيطة والحذر، بل بسبب العجز. فهذه آلية انكماشية: وتعني ركود أو انخفاض الأجور، والخوف من البطالة، وتقلص الطلب.
وعلى عكس عام 2007، لا توجد فقاعة مضاربة منفجرة. فإذا كان سوق العقارات يفقد زخمه اليوم، فذلك لأن الأسر لم تعد قادرة على تمويل مشترياتها.ولخفض أسعار الرهن العقاري تأثير طفيف فقط إذ يتراجع الطلب بسبب تزايد حالات الإعسار وعدم اليقين الوظيفي، مايعني ان سوق العقارات لايعد بؤرة للمضاربة، بل مؤشرًا اجتماعيًا على انكماش الدخول.
وباختصار: يشير الانحدار الصعودي إلى ركود اقتصادي بدأ بالفعل.ويُظهر منحنى بيفريدج أن صافي البطالة آخذ في الارتفاع كما يؤكد انكماش الدخل، الملحوظ في الاستهلاك والعقارات، هذا التشخيص.وتعزز هذه الديناميكيات الثلاث بعضها البعض. فهي تشير إلى أن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت البنوك المركزية ستخفض أسعار الفائدة، بل إلى أي مدى ستستمر، وإلى متى ستبقى كذلك. والجواب: أقل بكثير مما يتوقعه معظم من يُسمون أنفسهم خبراء رسميين؛ ولفترة أطول بكثير مما يعتقدون.
وبالنظر إلى الماضي، لن تبدو عشرينيات القرن الحادي والعشرين عودةً إلى سنوات النمو التضخمي (المُسماة بالسنوات المباركة) (كما أُوهمنا في فترة ما بعد الجائحة مباشرةً)؛ بل نسخةً طبق الأصل من العقد السابق (أسعار الفائدة الصفرية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين). وفي الواقع، ليس الأمريكيون أفضل حالًا بكثير من أصدقائهم الأوروبيين (إن صح التعبير). وهذا تأكيدٌ على الانهيار الاقتصادي الشامل للغرب، ودخوله في حالة من الكساد الصامت الذي لا نجرؤ على ذكره بعد - بكل عواقبه الاجتماعية والسياسية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram