TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: كي أجد لحياتي معنى

باليت المدى: كي أجد لحياتي معنى

نشر في: 22 سبتمبر, 2025: 12:05 ص

 ستار كاووش

لا أعرف هل سيكون لحياتى معنى لو لم أكن رسام لوحات؟ ماذا سأصنع بأيامي إن كانت الألوان ليست جزءً حيوياً منها؟ كيف سأقضي وقتي وكيف سأعيش والى أين ستأخذني دروب الحياة إن لم أكن (صانع صور) بطريقة خاصة تحمل الكثير من المتعة والتأمل والإكتشاف؟ مثل هذا التساؤلات تخطر في ذهني غالبا وأنا أهيء المرسم للبدء بلوحة جديدة، حيث يأخذني خيالي بعيداً وأنا أشد الكانفاس على الإطارات الداخلية وأهيء الألوان كي أمضي بعدها مع الرسم ساعات طويلة، وكأني أجوبُ عوالم خفية وغامضة وبعيدة. هكذا يمضي بي الوقت حتى تأتي لحظة تنظيف المكان بعد الانتهاء من العمل وتهيئة المرسم لليوم التالي.
الرسم هو الجدار الذي أتكيء عليه في عزلتي، وهو المظلة التي تحميني من مطر الضجر والعادات اليومية المتكررة. وما أن أضع قدمي على عتبة المرسم، حتى أستعيد عادات القرن السابع عشر من حيث الالتزام اليومي بالرسم، وما أن أبدأ بالرسم حتى أستحضر تقاليد القرن التاسع عشر من ناحية البحث عن الإشراقات والإمكانات التي توفرها الألوان، وبعد الإنغمار بالعمل أجد نفسي في أروقة نائية صحبة فنانين أحبهم. لكني مع كل ذلك أعيش بالتأكيد في وقتنا الحاضر، حيث أمضي كل يوم بإتجاه المرسم، باحثاً عن شيء شخصي لكنه بعيد، وبمعنى آخر هو أن أجد لحياتي معنى. وربما هذا التوصيف ينطبق أيضاً على كُتّابِ القصص والروايات الذين يعيشون وسط عوالمهم ويتحاورون مع أبطالهم بطريقة لا مثيل لها في واقعنا اليومي.
تخيل أنك تذهب كل يوم إلى مكان ما كي تلعب بطريقة إستثنائية، وأقصد أن تلعب بمواد الرسم. يالها من وسيلة لإكتشاف هذه المواد والخامات التي تبدو صماء تماماً، لكن ما أن تضع يدك عليها حتى تشرق منها شموساً وأقماراً، وتتراقص بين ثناياها الملائكة والشياطين معاً، وتغفوا بين ثناياها الفتيات الجميلات. مواد الرسم لمن لا يعرفها هي أدوات وأشياء معينة مثل باقي الأشياء، لكنها في الحقيقة تشبه صندوق العجائب المليء بالقصص والحكايات الممتعة والجميلة، انها الباب الذي يفضي لسحر بعيد المنال، لكنها أيضاً تشبه بذرة عليَّ أن أغرسها في المكان الصحيح وبالطريقة المناسبة، لتمنحني في النهاية كل هذا الألق وهذه البهجة. هكذا يمكن أن تأخذنا ألوان الرسم وأدواته في دروب ومتاهات من الجمال، تُبعد عنا الكآبة والضجر، وتجعلنا نعيش داخل تعويذة نؤمن بها ونحبها.
بشكل شخصي أرى أنه ينبغي للرسام أن يبني عالمه الخاص والفريد ويعيش داخل الرسم ذاته حتى يتمكن من الوصول التي أهداف جمالية حقيقية، لكن لا شيء يولد عفوياً بمجرد كونكَ رساماً، بل عليك أن تعرف حكاية الرسم وما يعنيه، أن تحبه وتنتمي اليه. فبضع شخطات عابرة لا تمضي بك أبعد من باب المرسم، وهي غير كافية لصنع العجائب.
من جانب آخر لا يتوقف دور الفنان عند رسم اللوحات فقط، بل أن مشاهدة الأعمال الفنية يفعل فعل السحر أيضاً. وكلما توقفنا أمام عمل فني جميل وتأملناه جيداً، تكون النتائج مذهلة عند إنجاز أعمالنا الخاصة. فالعمل الفني الجميل يشبه الطعام الجيد، فكلاهما يمنحك فيتامينات أنت بحاجة اليها. وكما يقولون أن العقل السليم في الجسم السليم، فأن الذوق الجمالي والإرتقاء بالفن ينبع من حاضنة مناسبة وتجارب جمالية جيدة ومنتقاة، تجارب تمنحك مع الوقت خبرة وحس وذوق فريد يتدفق بداخلك مثل النهر الجاري.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram