TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > هذيان الزعماء

هذيان الزعماء

نشر في: 15 مارس, 2011: 07:18 م

كاظم الواسطيحينما نسمع « كلام « العقيد القذافي ، أو ، بمعنى أدق ، هلوساته وهو يطل علينا من الشاشات أنا لا أملك منصباً ..عندي بندقية .. أنا المجد .. طاردوا الجرذان ..الشعب يحبني .... تخطر في بالنا مقولة ( ما أشبه اليوم بالبارحة ) ، حيث كانت خطابات  المهيب الركن  هذيانات شوّشت عقل المواطن العراقي عقودا في ظل جنونه بالسلطة ، ومحاولاته لتحويل العراق إلى مقبرة ،
على أمل أن يقوم حزبه بـ بعث « موتاها ، بأشكالٍ تماثل ملامح  (فارس الأمة)  كي يكون شعباً يبدأ به تأريخ العراق ، يسطره الموتى المعادين بملامح ( القائد الضرورة) ملاحم تغيّر وجه التاريخ نفسه . ولكن ما أسف ( صانع المجد)عليه هو أنه لم يُتح له الوقت الكافي لدفن الناجين خطاً من مقبرته ، وهو ما عطّل مشروعه التكاملي في بعث أشباحه المتشابهين على أرض العراق ، فأختل شعاره الأثير (إذا قال صدام قال العراق). ويتكرر مشهد المتشابهات بين هذيان ( المهيب) وهلوسة (العقيد) وتتداخل حروف اسميهما في ذهن المواطن، بين (الصدّافي)  و القـــذّام « لتكون لهما دلالة في قاموس الزعماء العرب الذي يؤلفه المحتجون على حكمهم . أيّ جحيم عاشته شعوب البلدان العربية في ظل جنون (الزعماء) الغائصين في ذهب السلطة ، والخائضين في دماء الشعوب التي جردّوها من أبسط وسائل الدفاع عن نفسها ، وتركوا لأنفسهم حق الانقضاض عليها ، وافتراس تطلعاتها ، في ذات الوقت الذي نسمع به دعاوى هؤلاء (الزعماء)، وادعاءاتهم المستمرة بأنهم جاءوا لـ (تحرير  الشعوب من الاستعمار) ، وصيانة (الاستقلال)، والدفاع عن (السيادة)، في وقتٍ يتعاملون مع القوى الوحيدة التي يمكن أن تحقق ذلك ، مثلما يُتعامل مع (الجرذان) في مختبرات تعديل الصفات الوراثية ، والتلاعب بخارطة الجينات . وهذا ما يكشف أكذوبة العلاقة بينهم وبين المواطنين ، بل أن المواطنين في قلاع هؤلاء (الزعماء) مجرّد أوراق لعبٍ على موائد قمارهم الباذخة ، أو دمىً صمّاء تحرس مساحة لذّاتهم من أخطارٍ ، إن لم تكن موجودة فعلا ، فهم يصنعونها صنعاً ، لكي تبقى دائرة الموت متسعة دائما. كيف نتعاطى مع من يدعّي بأنه لا يملك منصبا ، وهو « ينفش ريشاته» الطاووسية حالما يسمع من يردد فخامة ألقابه (ملك الملوك)  و»عميد العمداء « ، أو أيّ لقبٍ يناغم نرجسيته العصابية . ثم كيف ينتمي للمجد» زعيم» يفاخر ببندقية يحملها لقتل مواطنيه، لأنهم يريدون حقاّ في الحياة يضمن التعامل معهم كبشر، على أرضٍ لهم كل الحق في العيش عليها ،والتمتع بخيراتها . وأي ّمجدٍ يستمد سمّوه من جثث الفتيان الملقاة على الطرقات ؟ وعلى أيّ معادلة اجتماعية يشتغل هذا (الزعيم الوطني)! حين يصف مواطني بلده بـ (الجرذان) و (متعاطي المخدرات) وكيف يكون ه هذا (المجد) بوجود هكذا صفات لدى من يبني مجده عليهم ، ويفترض محبتهم له ؟ إنها الذهنية التي يبنيها وهم القوة والتي تكتشف هشاشتها عند تداعي ركائز قوتها الافتراضية على أرض الواقع ، ولأنها لا تريد أن تصدّق وقائع الحياة الجديدة ، تتداعى هي أيضا ، وتتحول إلى ذهنية غارقة بالهلوسة ، تتشظى مكوناتها في غياب سيطرة العقل ، وتصير حزمة غرائز عدائية يجمعها رابط البقاء في الموقع الذي توّهمت خلوده ، وبنت أوهامها عليه . وهذه هي مشكلة الزعامات في عالمنا العربي ، وإشكالياتها البنيوية التي وضعت المجتمعات العربية أمام مخاطر سياسية واجتماعية ،عرقلت إمكان التقدم فيها ، وأضعفت استجاباتها الثقافية والحضارية. إن نفاد صبر المواطن العربي بعد عقودٍ طويلة من الاستبداد ، ومصادرة الحريات ، وما أتاحته له وسائل الاتصال الحديثة من تواصل مع العالم وما يحدث فيه من تغيرات في المفاهيم ، والرؤى ، تغاير تماما طبيعة واقعه المتراجع إلى الوراء ، وتؤشر أسباب تراجعه ، وانحطاطه ، قد أحدثت تغيّراً نوعيا في وعيه ، وفي نمط تفكيره ، فخرج بهذا الحجم من الاحتجاجات ، والانتفاضات ، التي تطالب بتغيير هذا الواقع المأساوي ، وتنحّية رموزه التي باتت العامل الأساس في تنامي مشاكل ، ومآسي المجتمعات العربية ، خصوصا وأنها لا تريد أن تعترف بسلطة زمنية تؤهلها للعب دور محدد على مسرح السياسة ، مثلما تصرّف (الملك ديمتريوس  في قصيدة الشاعر كافافي ، ( كأيّ ممثّل مسرحي : حين تأتي نهاية المسرحية / يبدل ملابسه ، ويغادر) ولكنّ هذا التصرّف يحتاج إلى نبلٍ في النفس ، واحترام للذات ، تمليهما ثقافة إنسانية في السياسة .. والحياة .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram