TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كلاكيت: الكوميديا السوداء في كعكة الرئيس

كلاكيت: الكوميديا السوداء في كعكة الرئيس

نشر في: 25 سبتمبر, 2025: 12:05 ص

 علاء المفرجي

بالنسبة للميعة وجدتها، اللتين تعيشان في قرية ريفية في منطقة المستنقعات، فإن حظوظ الفتاة ليست مجرد إزعاج؛ بل هي محنة. فقد طُردت الجدة من عملها الزراعي في الحقول، وبالرغم من أن (الرئيس) وفر شاحنات المياه، لكن الحصول على المواد الغذائية الضرورية، لن يكون سهلًا، ناهيك عن تحمل تكلفتها. وهو استهلال رائع للفيلم، وليس فقط لإحساسه الواضح بالمكان، بل بتفاصيل الحدث.
هذه التفاصيل، تُخبرنا بها عينا لميعة المعبّرتان بكل ما نحتاج معرفته عن التبعات العاطفية لهذه المحنة، وكأن المخرج يصوغ من أدائها مستقبلًا زاهرًا لها في عالم السينما، ولعلها المرة الأولى التي نقتنع تمامًا بأداء ممثل طفل في السينما العراقية، الذي لطالما كان معضلة كبيرة للمخرجين العراقيين في التعامل مع مثل هذه المواهب..
(لميعة)، فتاة تبلغ من العمر 9 سنوات تضطر للسفر، مع جدتها العجوز، إلى المدينة للحصول على المكونات الأربعة التي تحتاجها لصنع الكعكة، كما أراد ذلك معلمها القاسي. خلال رحلتهما، يلتقيان مصادفة بالطفل سعيد (سجاد محمد قاسم)، الذي كلفه المعلم بجمع الفاكهة. لنكتشف -فيما بعد- أن (الجدة) قد أرادت من هذه الرحلة شيئًا آخر يخص مصير لميعة.
ينتهي الأمر بهروب لميعة من مخططات الجدة، لنتابع رحلة الطفلين (لميعة وسعيد) في المدينة، وهما هاربان ووحيدان، ما يضطرّهما للاعتماد على أنفسهما بلقاءات مُضحكة، وأخرى مُحفوفة بالمخاطر. لتتحول هذه الرحلة إلى مغامرات للأطفال في المدينة، والأشخاص الذين يلتقون بهم ويحاولون التفاوض معهم يتسمون باللطف والقسوة والمكر والاستغلال، لكن الأطفال – وديكهم – يدخلون في كل تفاعل ببراءة أقرب إلى النزاهة والقوة الداخلية، مع كل لقاء عابر. ليفصح ذلك عن التناقض الصارخ بين وهم الرخاء الذي تغذيه الدعاية، والحقيقة القاسية التي يعيشها العراقيون العاديون. في أحد المشاهد، يطلب الجيش تبرعات لعيد ميلاد الرئيس. وفي مشهد آخر، يقايض المواطنون آخر ممتلكاتهم بالطعام والملابس، بسبب انتشار العملة المزورة.
القصة مستمدة من تجربة شخصية، سمعها من أبيه، أو ممن عاصر تلك المرحلة، وبشكل خاص طقوس الاحتفال بعيد ميلاد الديكتاتور، التي كانت إلزامية على كل مواطن، بغض النظر عما يعانيه العراق، ووسائل الضغط أو العقوبات الأميركية. إنه موقف يتناوله الفيلم بروح السخرية السوداء، وجزء صغير من هذا يتضمن سحب الأسماء في الفصل الدراسي، حيث يتعين على الطالب الأقل حظًا تقديم كعكة.
تغوص كاميرا حسن هادي ببراعةٍ في الآثار النفسية للديكتاتورية، من خلال (المازوشية) التي يمارسها الأطفال بعبادة ما يخشونه، والاحتفاء بمن يُجوعهم. فتتجلى صدمة هذا التناقض بين الخوف والرغبة في المشاركة بالاحتفال بوضوحٍ على وجه لميعة، خاصةً عندما تدرك أن هذه الكعكة قد تُكلفها منزلها وعائلتها، الوحيدين اللذين تعرفهما.
بكاميرا المخرج، التي تقدم سردًا يتميز بجمالياتٍ واضحة تُرسخها الموسيقى التصويرية، المشغولة بالعود العراقي بأصالةٍ ثقافية، تبدو أقرب إلى الأفلام الوثائقية في واقعيتها. على الرغم الإيقاع البطيء في الأحداث أحيانًا، والتغاضي عن البناء المحكم للشخصيات في بعض نقاط الحبكة (مثل عدم معرفة ما حدث لوالدي لميعة، ولماذا هي مع جدتها؟) لكن هذا لا يمنع من أن يبقى الأثر العاطفي للمتلقي طويلًا بعد انتهاء الفيلم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram