TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أثمان مختلفة القسوة!

أثمان مختلفة القسوة!

نشر في: 1 أكتوبر, 2025: 12:25 م

يوسف أبو الفوز

بعد عدة أعوام من سقوط النظام البعثي الفاشي البغيض، كنت مدعوا، في أربيل، كضيف، لحضور حفل خطابي لافتتاح مؤتمر في التنمية الاجتماعية. كان المتحدث شابا بملابس عصرية. أعجبني صوته الجهوري، حيث وصل لأخر القاعة حين تعطل الميكرفون، لكن في وقوفه على المسرح خلط بين كونه شاعرا وممثلا لمنظمة عمل جماهيري، فراح يتحرك أحيانا باستعراض لا معنى له. بعدما ترك المسرح جاء ليجلس الى جانبي. كان البعض من في القاعة ما زال يصفق له، حين همس بأذني متسائلا: كيف كانت الكلمة؟
للحق كانت الكلمة جيدة، وكان إلقاؤه على العموم مقبولا، وددت قول شيئا ما يسره، لكني عدلت عن ذلك وهمست بأذنه:
ـ لقد كررت كونكم تناضلون (ضد الطائفية والاثنية والعشائرية والمناطقية)، كان الاحرى بك رفع أسم عشيرتك من أسمك ليتوافق مع اهدافك النضالية!
بعد الاستراحة، غيّر شاعرنا مكان جلوسه، وفي زياراتي اللاحقة الى العراق، لم يعد يلق عليّ التحية حين نلتقي صدفة!
أحكي هذا، واتابع العشرات من الأسماء، مثقفين وسياسيين وحقوقيين ، وغيرهم، في مختلف وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي وأتساءل: كيف يمكن لمثقف، ان يساهم ويدعو لبناء مجتمع مدني، ويدعو الى دولة المواطنة والمؤسسات، وهو يحتمي بأسم عشيرته، منطقته أو حتى مدينته؟
قال لي صديق فنان: لقد عرفوني بهذا الاسم، ومن الصعب تغييره؟ صديق آخر قال غاضبا: ليس كل الناس يفكرون مثلك. وسيقول لي قائل: انها العادات والتقاليد، وان أبرز دعاة التحرر والتنوير، لم يعق لقبهم العشائري نشاطهم لإجراء التغيير في المجتمع! لكني لا يمكن تجاوز الحقيقة المؤلمة: ان لم تبدأ من التغيير في نفسك وبيتك، كيف تستطيع اجراء ذلك في بيئة أكبر؟ كيف تستطيع اقناع الاخر بانك صادق في مسعاك وان اهدافك صادقة وانت ترتدي لبوس ما تحارب؟
في زمن مر، كان للعشائر، دورا إيجابيا في النضال ضد الاستعمار، وبعض شيوخ العشائر، مارسوا دورا وطنيا بارزا، وشواهد التاريخ كثيرة، لكن، اليوم، في القرن الواحد والعشرين، كيف يستقيم الانتماء للهوية الفرعية مع الدعوة لسلطة القانون؟ كيف تستقيم أعراف عشائرية مثل "النهوة العشائرية" ــ (منع امرأة من الارتباط برجل غريب عن العائلة والعشيرة)، "الجلوة العشائرية" ــ (التهجير القسري) وأيضا "الدكة َ العشائرية" ــ (غارة تخويفية)، وغيرها، مع عصر العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت من العالم بضعة ازرار في جهاز الهاتف المحمول؟
باعتقادي ان أسم المثقف، بحد ذاته، هو عنوان له بشكل ما ، يقدم رسالة بشكل غير مباشر، فلماذا لا تكون هذه الرسالة إيجابية؟ ان محاربة الاعراف والعادات (والقوانين!!) التي تعيق تطور مجتمعنا العراقي، باتجاه ان يكون مجتمعا مدنيا، تحكمه القوانين والمؤسسات، بشكل يحقق المساواة الحقيقية والعدالة الاجتماعية، لا يتطلب فقط محاربة ومعالجة واجتثاث تركة النظام البعثي الثقيلة، بل وما أسست له حكومات معادلة المحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة، وتداعيات (سلة مجلس النواب)، التي خانت ثقة الناس وامالهم وطموحاتهم ، وأيضا ما اعتدنا عليه بحجة الأعراف والتقاليد!
أدرك جيدا ان عملية التغيير، ليست عملية سهلة، ابدا، ولن تحدث بشكل هين، فالتغيير الاجتماعي يحتاج وقتا طويلا، ولكن النضال لأجل ذلك يبدا من أفعال صغيرة، وليس أفضل من المثقف رسولا لتقديم رسائل الأمل بالسعي لأجل التغيير. سينبري لي من يذكرني بما سبق وكتبت وقلته، بان مثقفنا العراقي أساسا يمر بأزمة حقيقية، فهو بحد ذاته بحاجة لإعادة بناء نفسه ليصطف الى جانب الشعب ويخرج من "المنطقة الرمادية"، "منطقة اللاموقف "، التي يرواح فيها ، وانتفاضة تشرين فضحت كثير من المثقفين الرماديين، لكننا لا نزال نأمل أيضا بأن البعض سيجدون طريقهم الصحيح للاصطفاف مع طموحات وتطلعات الناس المشروعة. فيا ترى هل تجرؤ يوما، اتحاداتنا الثقافية والجمعيات الفنية، وحتى الأحزاب المدنية، ومنظمات المجتمع المدني والعمل الجماهيري، ان تحرم على أعضائها، أو على الأقل ان تدعوهم الى الكف عن استخدام الألقاب العشائرية والمناطقية والاحتماء بها، لينتمي الانسان العراقي لنفسه ورسالته في التغيير وأهدافه لأجل ذلك، وبالتالي الانتماء للوطن الذي يجب ان يكون فوق الجميع؟
هل تبدو دعوتي عابرة للمنطق وصعبة التحقيق؟!
تنقل لنا سيرة المناضل يوسف سلمان يوسف ـ فهد (1901 – 1949)، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، انه حين سأله سجين عادي عن فائدة وجدوى المظاهرات والاحتجاجات المستمرة التي تقود الشيوعيين دائما الى السجن، وبعد ان وجد فهد صعوبة في شرح ما تقوله الفلسفة الجدلية عن قانون (ان التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي)، عمد الى الطلب من السجين مساعدته في تثبيت وتد خشبي في مسار الممشى، حيث يوميا يتمشى السجناء هناك في باحة السجن في الوقت المسموح، وسط استغراب السجين من الطلب، وثم دعاه لمحاولة نزعه من مكانه، فوجده قويا مرتبطا بالأرض بقوة. ولأيام، لاحظ السجين ان فهد كلما مر بمحاذة الوتد الخشبي، يركله بطرف قدمه بضربة خفيفة. لم يدم انتظار السجين طويلا حين طلب منه فهد، بعد حين، نزع الوتد الخشبي من مكانه، فوجد ذلك سهلا جدا، فالأرض تخلخلت بفعل الضربات الخفيفة المتراكمة، و... تذكر ــ عزيزي القاريء ــ، من لم يدفع ثمن التغيير، سوف يدفع ـ مرغما ـ ثمن عدم التغيير!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram