علي عبد السادةثلاثة أرباع خطط وقرارات وإجراءات ووجهات نظر الحكومة يؤسسها ويصنعها مستشارون ومخبرون سريون وعلنيون، ويروج لها أصدقاء وأقرباء، ويدافع عنها وعاظ وضاربو أكتاف ومخفضو رؤوس. هكذا يكون القرار مصيريا "وطنيا" ودونه يسقط العراق وتذهب ديمقراطيته في أدراج الرياح.
احلم بأن أكون مبالغاً..ألم يخرج هؤلاء ناعتين مثقفين تداعوا من اجل الحريات، بأنهم خمارون.. لم يتحدثوا عن الحريات.ألم يصفوا المنادين بإلغاء المحاصصة بأنهم مجرد خاسرين في الانتخابات.. لم ينطقوا حرفاً واحداً عن هتك الدولة بخريطة حصص وملل.ألم يصيحوا في وجه معترضين على قانون مشوه للانتخابات بأنهم خائفون من خوض معركة "ديمقراطية" وان الشارع لا يريدهم.. لم يعرجوا على قانون خيط على مقاسهم.الم يصفوا مطالبين بالغذاء والكهرباء والإصلاح بالبعثيين والمارقين ومن أتباع القاعدة.. ولم يخرجوا فاسدا واحدا إلى العلن مقبوضاً عليه.هذه أحكام (عبقرية) يطبخها أغبياء ومنتفعون، يجعلون السلطة في محل استهداف يصورنها تتوسط دائرة تصويب، وان سهام "المخربين" لا محالة تتجه نحوها. هكذا ترتاب الحكومة، ومن يقف في شراكتها، ويكبر فيها رهاب السقوط، ويصبح الأمر مرضا، وربما كابوسا.. ولم يكن من المستبعد أن يأتي في مخيلتهم أن صورة العراق المختزلة في ساحة التحرير ربما تحال إلى ميادين تونس والقاهرة.الحكومة، منذ 2003، تعشق مكاتب الاستشارات، وتفتح قاعات كبيرة للخبراء، وتمد خطوط تواصل مع مخبرين ووعاظ وطالبي نثريات ينفعونها بما تشتهي هي، أو ما يشتهون من معلومات ورؤى، ربما يأتي يوم تتخيل كتلة رئيس الوزراء أنها تحكم عراقا كله من حزب الدعوة وان لم ينتموا.وقد تترسخ قناعة لدى صقور كتل كبيرة بان حسبة الحصص ستدوم، وستظل الديمقراطية تسمى بمكارمها ومقاعد نافذيها. غير هذه التفسيرات، لا يمكن للحكومة أن تسمع، وسوى هذه الصنيعة لا ينتج المخبرون والراسخون في علم العراق الجديد.لا يسعنا، هنا، إلا استدعاء تجارب سياسية مريرة، حيث هوت حكومات عتيدة في فخ الأذن الصاغية لإنصاف العارفين، سقطت تحت غضبة شعب فاض به كيل دولة الفرض، دولة تصنع لأبنائها صورا غير الحقيقة، وتخطط لهم أدوارا غير أدوارهم.كل تلك التجارب تخرج بخلاصة أن صاحب الأمر يموت ببطء منذ أن قرر منح لحيته، ولحى من اختاره، إلى مزوري الحقائق.العراقيون لم ينتخبوا المستشارين، لكن المنتخبين الفائزين يضعوهم خلف طاولات القرار. العراقيون لم يقرروا أن ينوب عن فكرهم ووجهات نظرهم وحرياتهم ورغبتهم بأي نمط سياسي، أي احد. لا يريدون أشخاصا لا يعرفونهم بل يجهلون حتى أشكالهم.لمَ لا يختصر رئيس الوزراء الطريق إلى ساحة التحرير وينسى قافلة المستشارين، ويمزق تقارير المخبرين، وينصت، دون وسائط، لصوت الشارع، هذا الأخير لم ينقلب على النظام، لم يطلب ثورة على الديمقراطية، لم يكتب البيان رقم واحد. هؤلاء المسحوقين حولوا مسلسل الانقلابات إلى نكات يتندرون بها في المقاهي. هؤلاء المتخمون بالوجع يستحقون أن يسمتع الموظف بمنصب رئيس الوزراء إليهم دون "مونتاج" لحروفهم، أو صراخهم.
بالعربي الصريح: دولة الفرض

نشر في: 16 مارس, 2011: 08:44 م







