TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > سيادة العــــراق

سيادة العــــراق

نشر في: 21 أكتوبر, 2025: 12:03 ص

عمر الشاهر

بينما تتزايد التحذيرات من احتمال اندلاع مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل، تتعاظم مخاوف العراقيين من أن يجد بلدهم نفسه منجرفًا مرة أخرى في صراع مسلح لا مصلحة له فيه.
منذ عقود، دفع العراق أثمانًا باهظة نتيجة الحروب الخارجية والنزاعات الداخلية، من الحرب الطويلة مع إيران في الثمانينيات، إلى حرب الخليج وما تبعها من حصار قاسٍ في التسعينيات، وصولًا إلى إسقاط النظام السابق عام 2003 وما أعقبه من انزلاق البلاد إلى دوامة العنف والانقسامات. هذه التجارب تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي العراقي: فكل استقرار قصير الأمد يولّد خشية من أن يتبعه نزاع جديد.
لكن ما شهده العراق مؤخرًا كان نوعًا مختلفًا من التهديد؛ إذ وجد نفسه متأثرًا بشكل مباشر بصراع لم يكن طرفًا فيه. خلال حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، أصيب اقتصاده الداخلي بالشلل، وأُغلق مجاله الجوي بالكامل، وتضررت حياة مواطنيه بشكل ملموس. ورغم أن الأنظار تركزت على غزة ولبنان، فإن العراق دفع هو الآخر ثمنًا قاسيًا كضحية بريئة لتداعيات تلك الحرب.
الأهم أن هذه الحرب أكدت أن الخطر الحقيقي على العراق ليس في ضعف قدراته الذاتية، بل في وجود جماعات مسلحة مرتبطة بالخارج، تعمل بمعزل عن الدولة وتحوّل أراضيه إلى ساحة محتملة لتصفية الحسابات الإقليمية. إن استمرار هذه الجماعات يهدد سيادة العراق، ويجعل تجاهل مصالحه من قبل الأطراف المتحاربة أمرًا واقعًا.
لقد أثار تصريح أحد أعضاء البرلمان العراقي مؤخرا بأن “من حق إيران أن تضرب العراق، لانه قدم تسهيلات لإسرائيل خلال حرب الأيام ال 12 موجة من التساؤلات بشأن مدى فهم العراقيين أنفسهم لفكرة السيادة ومضامينها، اذ أعاد إلى الأذهان سلسلة من المواقف التي شهدت تفضيل بعض العراقيين مصالح بلدان أخرى على مصلحة بلدهم.
لقد أثبتت التجارب أن السيادة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لأمن العراق واقتصاده واستقراره. وما لم يُعلن العراقيون بوضوح أن سيادة بلدهم خط أحمر، فلن يتمكنوا من تجنّب الحروب المقبلة. هذه الحقيقة يجب أن تكون محل إجماع داخلي قبل أن تُفهم من الخارج.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن للعراق أن يمضي منفردًا في طريق استعادة سيادته. فإلى جانب الجهد الداخلي، يمتلك العراق شبكة واسعة من العلاقات والصداقات الدولية، يمكن أن تشكل رافعة مهمة لدعم مساعيه في تحييد التوترات الإقليمية وتثبيت موقعه كدولة محايدة. إن حسن استخدام هذه الأوراق الدبلوماسية هو جزء من الاستراتيجية، لكنه لا يغني عن المهمة الأساسية: استعادة القرار الوطني وإخضاع السلاح لسلطة الدولة وحدها.
إن العراق يقف اليوم أمام خيار تاريخي: إمّا أن يرسّخ سيادته الكاملة كدولة مستقلة تحمي أرضها وسمائها، أو أن يبقى رهينة الجماعات المسلحة وصراعات الآخرين. والاختيار يبدأ من الداخل، لكنه يحتاج أيضًا إلى توظيف الدعم الدولي بحكمة، بما يضمن أن تكون سيادة العراق خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram