TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مفهوم الحكومة وإستراتيجية مسؤولياتها إزاء الدولة ومصالحها

مفهوم الحكومة وإستراتيجية مسؤولياتها إزاء الدولة ومصالحها

نشر في: 23 أكتوبر, 2025: 12:01 ص

عصام الياسري

الحكومة، أي حكومة بمفهومها التاريخي كونها الراعية لمصالح الدولة أي دولة ـ العراق مثالاً ـ من مهامها الأساسية كما يُفترض ـ الحفاظ على ممتلكات الدولة وصيانة ثرواتها الطبيعية وحماية عقاراتها وأراضيها. كل ذلك يشكل نوعاً مهماً لبعث التوازن الاقتصادي الوطني وتدويره لتنمية موارد الدولة المالية والبنيوية.
فمن المنظور التاريخي والسياسي، تُعتبر الحكومة أياً كان شكلها ـ ونحن لا نتحدث هنا عن «الحكومة العميلة» في العصور الوسطى و«الحكومة الشمولية» في القرن العشرين ـ وإنما عن المفاهيم الحديثة لشكل الحكومة (ملكية، جمهورية، ديمقراطية، مركزية)، أي السلطة التنفيذية والإدارية التي تتولى إدارة شؤون الدولة وحماية مصالحها العامة. ومن بين أهم وظائفها الأساسية فعلاً: حماية ممتلكات الدولة، أي صيانة البنى التحتية والممتلكات العامة (كالطرق، والموانئ، والمباني الحكومية، والمرافق العامة). إدارة الثروات الطبيعية، مثل النفط، والمياه، والمعادن، والغابات، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة. حماية الأراضي والعقارات العامة، عبر وضع أنظمة وقوانين تمنع التعدي أو الاستغلال غير المشروع لها.
هذه الالتزامات المستوجبة لا تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي الوطني من خلال السياسات المالية والتنموية والضريبية فحسب، بل تحفظ الاستقرار وتوزّع الموارد بعدالة نسبية. كما تؤدي إلى صون السيادة والأمن القومي لحماية الدولة من أي تهديد داخلي أو خارجي يهدد وجودها أو مصالحها. بعبارة أخرى، الحكومة تاريخياً ليست فقط سلطة تدير شؤون الناس، بل جهة راعية للأرض والثروة والسيادة، وهي المسؤولة عن التوفيق بين المصلحة العامة والنمو الاقتصادي في إطار العدالة الاجتماعية.
فكيف يمكن المحافظة على هذا الدور التاريخي للدولة الحديثة؟ وماذا ينبغي القيام به إذا ما تهاونت بمثل هذه الأمور؟ سؤال عميق جداً يلامس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تتهاون الحكومة في أداء واجباتها الأساسية كحماية ممتلكات الدولة أو صون الثروات العامة أو الحفاظ على التوازن الاقتصادي، فذلك يُعدّ خللاً بنيوياً في وظيفة الدولة نفسها، لأن هذه المهام هي أساس شرعيتها وسبب وجودها. وفي هذه الحالة، هناك عدة مستويات من التصحيح أو المواجهة يمكن أن تحدث، بحسب طبيعة النظام السياسي ومستوى الوعي الشعبي.
في الأنظمة الديمقراطية أو التي تمتلك فصلاً حقيقياً بين السلطات، يمكن للبرلمان أو القضاء أو هيئات الرقابة محاسبة الحكومة على التقصير أو الفساد. هذه الآليات تضمن أن الحكومة ليست فوق القانون، وأن الدولة تصحح نفسها من الداخل. وفي حال غياب الرقابة الفعالة، يصبح دور المجتمع المدني، والإعلام، والرأي العام حاسماً في كشف التقصير والضغط للإصلاح. يظهر التاريخ أن الشعوب التي تطالب بحقوقها بوعي وسلمية هي التي تُرغم الحكومات على تصحيح المسار. وفي حالات اضطرارية لأسباب تشكل خطراً على الدولة ومصالح مجتمعاتها، تكون المراجعة الدستورية أو السياسية أمراً من شأنه إعادة هيكلة الحكومة أو إجراء إصلاحات دستورية أو سياسية لإعادة توزيع الصلاحيات وضمان حماية الثروات العامة. يحدث ذلك عادة في مراحل التحول الكبرى أو بعد أزمات سياسية واقتصادية حادة تصبح فيها المساءلة التاريخية والأخلاقية ضرورة. فإن لم تحدث محاسبة فورية، فإن التاريخ لا يسامح؛ فالحكومات التي تهدر ثرواتها أو تفرّط بأراضيها تُسجّل كأمثلة على الفشل أو الخيانة الوطنية. من جهة أخرى، الشعوب الواعية تحفظ ذاكرتها وتتعلم من هذه التجارب.
باختصار، تهاون الحكومة في حماية الدولة وثرواتها ليس مجرد خطأ إداري، بل هو إخلال بالعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. وإذا غابت آليات التصحيح الرسمية، فإن الوعي الشعبي والمؤسسي يصبح خط الدفاع الأخير عن المصلحة الوطنية وإجبار الحكومة على أن تخضع للقانون.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram