TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمود الثامن: الموصل تحب وتقرأ !

العمود الثامن: الموصل تحب وتقرأ !

نشر في: 29 أكتوبر, 2025: 12:21 ص

 علي حسين

صبيحة كل يوم يجد المواطن العراقي المسكين نفسه محاصرا بأخبار الصراع على السلطة، بين الذين يجلسون على كراسي السلطة.. حالة غريبة وعجيبة. هذا المواطن بعد تجربة مريرة لن يصدق أكذوبة أن أشخاصا خدموا في بلاط الطائفية منذ عام 2003 يستطيعون أن يقدموا له نظاما سياسيا معافى يكون شعاره الوطن للجميع. أريد لهذا المواطن أن يعيش مخدوعا، يدمن على متابعة تغريدات عالية نصيف التي تبشرنا فيها كل يوم بأن ننام ملء جفوننا عن شواردها، ما دام “المنصل آراس حبيب” حارسا أمينا على راحتنا ومستقبلنا، مع الاعتذار لعمنا المتنبي الذي دائما ما أحشره مع قامات “ديمقراطية” من عينة عزت الشابندر ورفيقه في النضال مشعان الجبوري. ولهذا اسمحوا لي أن أغادر عالم الصفقات، وأكتب عن حدث ثقافي مهم، وأعني به “ملتقى ومعرض الموصل الأول للكتاب” الذي يقام هذه الأيام.
فأنا أنتمي إلى قوم لا يمكنهم تخيل عالم لم تظهر فيه الكتب التي سطرها مجموعة من الأحرار علموا البشرية قيمة وأهمية الحياة، لكني بالأمس وأنا أتصفح مواقع الصحف ووكالات الأنباء شعرت بأن كاتبا مثل حالي لا يمكن له أن يترك حفلات صواريخ الكاتيوشا التي تقع على رؤوس العراقيين، ويذهب ليحدث القراء عن أفلاطون الذي ظل يصر على أن تعاسة البلدان لا يمكن أن تزول ما لم يتمتع حكامها بفضيلة التعلم: “إن طلب العلم شرط لمن يتقلد زمام الحكم، والسبب هو ما يتميز به الحاكم المتعلم من حكمة وصدق”.
أنظر إلى الكتب التي توزعت بين أروقة جامعة الموصل العريقة، وأسرح مع العراق الذي يراد له أن يعيش في عصور الظلام، العراق الذي كان فيه الموصلي عبد الغني الملاح يقرع عميد الأدب طه حسين الحجة بالحجة، فيما الفتاة “المصلاوية” تسحر جميع العراقيين كلما صدح صوتها بأغنية “جوز منهم لا تعاتبهم بعد”، في الوقت الذي يقف فيه السياسي الشاب محمد حديد وسط البرلمان يطالب بصناعة عراقية، وفكر عراقي، ووطنية عراقية خالصة لأرض الرافدين، ويتغنى عثمان الموصلي بالموشحات التي أدهشت سيد درويش، فيما عمارات زها حديد تتوزع بين بلدان العالم، بعد أن طاف ابن بلدتها يونس بحري في أرجاء المعمورة.
دائما كنت أسأل نفسي: ترى كيف سيكون شكل العالم لو لم يكتب فيه ديكنز روايته “الآمال العظيمة”، ولم يحول فيه المتنبي الشعر إلى نصوص في الحكم، ولم يعلمنا عمر بن أبي ربيعة أن مديح النساء أبقى أثرا من مديح كل الحكام؟ هل يمكن أن نتخيل بريطانيا من دون سؤال هاملت الأزلي: أكون أو لا أكون؟ ماذا يبقى من انقلابات أمريكا اللاتينية غير ذكرى حكايات يوسا وساراماغو وإيزابيل أللندي ومعلمها ماركيز؟ ماذا يبقى من أمريكا لو لم يكتب لها همنغواي “الشيخ والبحر”؟
أعطتنا الكتب المتعة ونورت عقولنا، وحولت لنا الأرض إلى قرية واحدة قبل أن يكتشف الأمر منظرو العولمة، كتب زودنا أصحابها بالحكمة، ومؤرخون حفظوا لنا حكايات التاريخ وعبره، وشعراء صنعوا لنا أحلاما وآمالا وعوالم جميلة، كتب ندين لها بجمال الحياة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram