هاشم العقابينجح الدكتور قيس العزاوي ممثل العراق لدى جامعة الدولة العربية في جعل الممثلية ملتقى ثقافيا عراقيا وعربيا متحررا من الشكليات والقيود الدبلوماسية. لقد اعتدنا ان نحضر او نسمع بهكذا نوع من الأنشطة والمبادرات التي كانت سرعان ما تفقد وهجها تحت وطأة الرسميات والبروتوكلات. لكن ما يميز أنشطة ممثلتينا لدى الجامعة العربية بالقاهرة، في الآونة الأخيرة، هي انها صارت شعبية أكثر مما هي رسمية.
ليلة اول البارحة كانت ليلة لصديقة الملاية. طلت علينا بروحها فيلم لم يتجاوز 19 دقيقة من إخراج وإنتاج حكمت البيضاني. وقد عرض الفيلم ضمن حفلة تكريمية أقامتها الممثلية، للمخرج بمناسبة نيله الدكتوراه بالسينما. كنت أتصور ان الفيلم سيتحدث عن حياة صديقة الملاية وأغانيها. لكن الذي حدث ان الفيلم لم يتطرق لذلك ابدا. وحتى ما قدم لها فيه من اغان لم يتجاوز مقطعا او مقطعين.لم تكن الملاية تغني، بل كانت ترثي يوسف عمر ورياض احمد والسياب والجواهري والبياتي والحاج زاير. كانت تندب روح تراثنا العراقي ، وكأنها تشاهده يغتصب اليوم على يد بعض الذين لا يجيدون غير نشر الظلام وقتل كل ما هو جميل في بلدنا. بطل الفيلم، الممثل الصديق باسم قهار، لم تتحرك شفتاه بكلمة واحدة من بداية الفيلم إلى نهايته. لكنه كان يتعذب فارغمنا على ان نتعذب معه.دواوين الشعراء تحرق والموسيقى تخنق والحريات تنتهك، والطاغية يضحك بصفاقة تزيد القلوب حرقة وألماً:أحاه شكبر ضحكات الاقطاعيهكذا رددت بدون وعي، مستحضرا "صويحب" مظفر النواب.كانت النار تلتهم كل ما يمت لذاكرتنا الشعبية بصلة. وسياط الجلاد تلهب ظهر كل من ينشد فرحة او اغنية او رقصة او حتى من يحمل وردة. ومازال البطل يتألم والجلاد يضحك. ورغم حرصي الشديد على متابعة كل لقطة او نغمة موسيقية تضمنها الفيلم، لكن ضحك الجلاد احضر امامي ضحكات كامل الزيدي واعضاء مجلس الحلة الذين وأدوا مهرجان الموسيقى واصحاب المعاول الذين فلشوا السيرك بالبصرة ليقلبوا ضحكات اطفالها وفرحهم الى عزاء.النار التي تحيط بالبطل من كل الجهات ذكرتني بنار الصيف العراقي القاتل الذي لا يعرف شدة لهيبها اهل الخضراء المنعمون بالكهرباء مثلما يعرفها فقراء العراق. وانتهى الفيلم القصير دون ان اكتب كلمة واحدة على ورقتي التي كنت أتوقع ان اخط عليها بعض الملاحظات. ظلت الورقة بيضاء، عدا دمعة مني استقرت بوسطها، اسقطتها، رغما عني، انين طور المحمداوي الذي اختاره البيضاني ببراعة.وخلال المداخلات، رفعت يدي لأقول جملتين فقط. الأولى، هي ان الفيلم كان تظاهرة عراقية قادتها روح صديقة الملاية الطاهرة. والثانية، تمنيت فيها على المخرج ان يهدي الفيلم للمتظاهرين العراقيين ليعرض في ساحة التحرير.انها فرصة للشعراء والفنانين والمثقفين ليمزقوا كفنهم العتيق ويلبسوا ثيابا جديدة تليق باعراس الحرية التي يقيمها العراقيون أيام تظاهراتهم.
سلاماً يا عراق: صديقة الملاية تتظاهر بالقاهرة

نشر في: 21 مارس, 2011: 07:21 م







